فهرس الكتاب

الصفحة 3376 من 8432

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَكَّةُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ فِي اللُّقَطَةِ: اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَهَذَا خَطَأٌ: لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، فَلَا يُخْتَلَى خِلَاؤُهَا ، وَلَا يُعَضَدُ شَجَرُهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ، وَفِي الْمُنْشِدِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ: أَنَّهُ صَاحِبُهَا الطَّالِبُ ، وَالنَّاشِدُ هُوَ الْمُعَرِّفُ الْوَاجِدُ لَهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ: يَصِيخُ لِلنَّبْأَةِ أَسْمَاعَهُ إِصَاخَةَ النَّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا إِلَّا صَاحِبُهَا الَّتِي هِيَ لَهُ دُونَ الْوَاجِدِ ، وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْمُنْشِدَ الْوَاجِدُ الْمُعَرِّفُ ، وَالنَّاشِدَ هُوَ الْمَالِكُ الطَّالِبُ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يُنْشِدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاشِدُ غَيْرُكَ الْوَاجِدُ ، مَعْنَاهُ لَا وَجَدْتَ ، كَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ، أَيْ: لِمُعَرِّفٍ يُقِيمُ عَلَى تَعْرِيفِهَا وَلَا يَتَمَلَّكُهَا . فَكَانَ فِي كِلَا التَّأْوِيلَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ تَمَلُّكِهَا ، وَلِأَنَّ مَكَّةَ لَمَّا بَايَنَتْ غَيْرَهَا فِي تَحْرِيمِ صَيْدِهَا وَشَجَرِهَا تَغْلِيظًا لِحُرْمَتِهَا ، بَايَنَتْ غَيْرَهَا فِي مِلْكِ اللُّقَطَةِ ، وَلِأَنَّ مَكَّةَ لَا يَعُودُ الْخَارِجُ مِنْهَا غَالِبًا إِلَّا بَعْدَ حَوْلٍ إِنْ عَادَ ، فَلَمْ يَنْتَشِرْ إِنْشَادُهَا فِي الْبِلَادِ كُلِّهَا ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ إِدَامَةُ تَعْرِيفِهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَبَيْنَ سَائِرِ الْحَرَمِ في حكم اللقطة: لِاسْتِوَاءِ جَمِيعِ ذَلِكَ فِي الْحُرْمَةِ . فَأَمَّا عَرَفَةُ وَمُصَلَّى إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حِلٌّ تَحِلُّ لُقَطَتُهُ قِيَاسًا عَلَى جَمِيعِ الْحِلِّ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ كَالْحَرَمِ لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهُ إِلَّا لِمُنْشِدٍ: لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْمَعُ الْحَاجِّ وَيَنْصَرِفُ النِّفَارُ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ كَالْحَرَمِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ إِنْشَادِهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ اللقطة مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَحْرِيمِ إِنْشَادِهَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَصَحُّهُمَا جَوَازُهُ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ وَأَنَّهُ مَجْمَعُ النَّاسِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَبِهَذَا أَقُولُ ، وَالْبَقَرُ كَالْإِبِلِ لِأَنَّهُمَا يَرِدَانِ الْمِيَاهَ وَإِنْ تَبَاعَدَتْ ، وَيَعِيشَانِ أَكْثَرَ عَيْشِهِمَا بِلَا رَاعٍ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَالْمَالُ وَالشَّاةُ لَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا ، فَإِنْ وَجَدَهُمَا فِي مَهْلَكَةٍ فَلَهُ أَكْلُهُمَا وَغُرْمُهُمَا إِذَا جَاءَ صَاحِبُهُمَا . ( وَقَالَ ) فِيمَا وَضَعَهُ بِخَطِّهِ - لَا أَعْلَمُهُ بِسَمْعٍ مِنْهُ -: وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ كَالْبَعِيرِ: لِأَنَّ كُلَّهَا قَوِيٌّ مُمْتَنِعٌ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بَعِيدُ الْأَثَرِ فِي الْأَرْضِ ، وَمِثْلُهَا الظَّبْيُ لِلرَّجُلِ وَالْأَرْنَبِ وَالطَّائِرِ لِبُعْدِهِ فِي الْأَرْضِ وَامْتِنَاعِهِ فِي السُّرْعَةِ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ ضَوَالَّ الْحَيَوَانِ إِذَا وُجِدَتْ اللقطة لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تُوجَدَ فِي مِصْرٍ ، أَوْ فِي صَحْرَاءَ ، فَإِنْ وُجِدَتْ فِي مِصْرٍ فَيَأْتِي ، وَإِنْ وُجِدَتْ فِي صَحْرَاءَ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مِمَّا يَصِلُ بِنَفْسِهِ إِلَى الْمَاءِ وَالرَّعْيِ وَيَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ صِغَارَ السِّبَاعِ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت