فهرس الكتاب

الصفحة 7844 من 8432

مَالِهِ وَتَفْرِقَتِهِ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، فَأَنْكَرُوهُ ، وَنَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْوَصِيِّ ، لِأَنَّهُ نَائِبٌ ، وَلَا عَلَى الْفُقَرَاءِ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَنْحَصِرُونَ . وَفِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَجْهَانِ حَكَّاهُمَا أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ أَيْضًا تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَا . فَأَمَّا إِذَا ادَّعَى الْوَصِيُّ حَقًّا لِطِفْلٍ ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ ، لَمْ يَحْلِفِ الْوَصِيُّ وَلَمْ يُحْكَمْ بِالنُّكُولِ وَجْهًا وَاحِدًا ، وَكَانَ رَدُّ الْيَمِينِ مَوْقُوفًا عَلَى بُلُوغِ الطِّفْلِ ، لِأَنَّ لِرَدِّ الْيَمِينِ وَقْتًا مُنْتَظَرًا . فَأَمَّا مَا أَوْجَبْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ بِنُكُولِ رَبِّ الْمَالِ ، فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ سُقُوطِهَا عَنْهُ بَعْدَ ظُهُورِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَوَاضِعِهِ أَنَّهُ حُكْمٌ بِالظَّاهِرِ الْمُتَقَدِّمِ دُونَ النُّكُولِ الطَّارِئِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ: كُلُّ حَقٍّ سُمِعَتِ الدَّعْوَى فِيهِ ، وَجَازَتِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، وَجَبَتِ الْيَمِينُ عَلَى مُنْكِرِهِ ، وَرُدَّتِ الْيَمِينُ بِالنُّكُولِ عَنْهُ عَلَى مُدَّعِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ مَالًا ، كَالْعَيْنِ وَالدَّيْنِ ، أَوْ غَيْرَ مَالٍ ، مِنْ قِصَاصٍ ، أَوْ نِكَاحٍ ، أَوْ طَلَاقٍ ، أَوْ عِتْقٍ ، أَوْ نَسَبٍ . هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رَحِمَهُ اللَّهُ كُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ مَالًا ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ . وَذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ: النِّكَاحُ ، وَالطَّلَاقُ ، وَالرَّجْعَةُ ، وَالْفَيْئَةُ فِي الْإِيلَاءِ ، وَدَعْوَى الرِّقِّ ، وَالِاسْتِيلَادُ ، وَالنَّسَبُ ، وَالْوَلَاءُ ، وَالْقَذْفُ . وَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْمُنْكِرِ ، وَلَا تُرَدُّ فِيهِ أَيْضًا عَلَى الْمُدَّعِي ، فَلَوِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا ، فَأَنْكَرَتْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا . وَلَوِ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا طَلَاقًا ، فَأَنْكَرَهُ من يصدق قوله منهما ؟ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ . وَأَنَّ وُجُوبَ الْيَمِينِ لِيُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ ، وَلَا يُحْكَمُ بِالنُّكُولِ فِيمَا لَا تَصِحُّ إِبَاحَتُهُ ، فَسَقَطَتْ فِيهِ الْيَمِينُ ، وَاسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْبَذْلَ لَا يَصِحُّ فِيهَا ، وَالنُّكُولُ بَذْلٌ ، فَلَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِالنُّكُولِ ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهَا الْيَمِينُ قِيَاسًا عَلَى حُدُودِ اللَّهِ الْمَحْضَةِ . وَدَلِيلُنَا: رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْلَفَ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَتَّةِ وَاحِدَةً ، وَلِأَنَّ كُلَّ دَعْوَى لَزِمَتِ الْإِجَابَةُ عَنْهَا وَجَبَتِ الْيَمِينُ فِيهَا كَالْقِصَاصِ ، وَلِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا يَمْتَنِعُ فِيهَا اسْتِحْقَاقُ الْيَمِينِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ حُقُوقِهِمْ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت