وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ: اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [ الْبَقَرَةِ: ] . وَبِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ: وَهُوَ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ ، وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، كَانُوا يَتَبَايَعُونَ وَيَشْتَرُونَ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ . وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ التَّوْكِيلُ فِي الْبَيْعِ صَحَّ مِنْهُ عَقْدُ الْبَيْعِ كَالْبَصِيرِ . وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَقْبَلَهُ الْبَصِيرُ جَازَ أَنْ يَقْبَلَهُ الضَّرِيرُ كَالنِّكَاحِ . وَدَلِيلُنَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْغَرَرِ ، وَعَقْدُ الضَّرِيرِ مِنْ أَعْظَمِ الْغَرَرِ . وَلِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ ، وَبَيْعُ الضَّرِيرِ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ . وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا . وَلِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِفَقْدِ الرُّؤْيَةِ تَأْثِيرٌ فِيهِ كَالْبَصِيرِ فِيمَا لَمْ يَرَهُ . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِعُمُومِ الْآيَةِ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا . وَأَمَّا نَقْلُهُمُ الْإِجْمَاعَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ: لِأَنَّهُ لَا نَقْلَ مَعَهُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ بَاشَرُوا عَقْدَ الْبَيْعِ بَعْدَ الْعَمَى ، وَلَوْ نَقَلُوهُ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ لَا يَكُونُ رِضًا . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْبَصِيرِ ، فَالْمَعْنَى فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ حُصُولُ مُشَاهَدَتِهِ ، وَالْأَعْمَى مَفْقُودُ الْمُشَاهَدَةِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى النِّكَاحِ ، فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلرُّؤْيَةِ تَأْثِيرٌ فِيهِ صَحَّ مِنَ الْأَعْمَى ، وَلَمَّا كَانَ لِلرُّؤْيَةِ تَأْثِيرٌ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَصِحَّ مِنَ الْأَعْمَى . فَصْلٌ: وَأَمَّا بَيْعُ الصِّفَةِ فَهُوَ السَّلَمُ ، وَيَصِحُّ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَى بَيْعًا وَشِرَاءً: لِأَنَّ السَّلَمَ عَقْدٌ عَلَى صِفَةٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الْخَبَرِ دُونَ النَّظَرِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ: لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمُخْبِرَاتِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمُشَاهَدَاتِ . فَأَمَّا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ ، فَكَأَنَّ الْمُزَنِيُّ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْأَعْمَى لَا يَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ السَّلَمِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا قَدْ عَرَفَ الْأَلْوَانَ ثُمَّ عَمِيَ . فَأَمَّا الْأَكْمَهُ الَّذِي خُلِقَ أَعْمَى ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ السَّلَمُ لِجَهْلِهِ بِالْأَلْوَانِ . وَخَرَّجَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحْمِلُ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ . وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى مَنْ عَقَدَ السَّلَمَ فِي عَقْدِ السَّلَمِ بَيْنَ الْأَعْمَى الَّذِي كَانَ بَصِيرًا ، وَبَيْنَ مَنْ خُلِقَ أَعْمَى لَمْ يُبْصِرْ: لِأَنَّ مِنْ خُلِقَ أَعْمَى وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْأَلْوَانَ فَهُوَ يَعْرِفُ أَحْكَامَهَا ، وَيَعْلَمُ اخْتِلَافَ قِيَمِ الْأَمْتِعَةِ بِاخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا ، وَأَنَّ الْحِنْطَةَ الْبَيْضَاءَ أَجْوَدُ مِنَ الْحِنْطَةِ