وَيَصِحُّ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ عَلَى إِجَازَةِ الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أَبِي وَنِعْمَ الْأَبُ هُوَ زَوَّجَنِي بِابْنِ أَخٍ لَهُ ؛ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ: قَدِ اخْتَرْتُ مَا فَعَلَ أَبِي ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ لِتَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إِلَى الْآبَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ . فَلَمَّا خَيَّرَهَا وَالْخِيَارُ لَا يَثْبُتُ فِي اللَّازِمِ وَلَا فِي الْفَاسِدِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى خِيَارِهَا وَإِجَازَتِهَا ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، وَاللُّقَطَةُ إِذَا تَصَدَّقَ بِهَا الْوَاحِدُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ: لِكَوْنِ الْمُجِيزِ لَهُمَا مَوْجُودًا جَازَ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ مَنْ يَكُونُ فِي حَالِ الْوَقْفِ مَوْجُودًا . وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُجِيزُهُ مَوْجُودًا جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى إِجَازَتِهِ مَوْقُوفًا ، كَاللُّقَطَةِ وَالْوَصِيَّةِ . قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى الْفَسْخِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ . وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا: أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الِاخْتِيَارِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ كَالْفَسْخِ ، قَالَ: وَلِأَنَّ حَالَ الْعَقْدِ بَعْدَ كَمَالِهِ أَقْوَى مِنْ حَالِهِ قَبْلَ كَمَالِهِ ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ كَمَالِهِ مَوْقُوفًا بَعْدَ الْبَذْلِ عَلَى إِجَازَةِ الْقَبُولِ ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَعْدَ كَمَالِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ . وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّهُ أَحَدُ حَالَتَيِ الْعَقْدِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ كَالْحَالِ الْأُولَى . وَدَلِيلُنَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَلَوْ صَحَّ بِالْإِجَازَةِ لَوَقَفَهُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ وَلَمَا حَكَمَ بِإِبْطَالِهِ ، وَحَدِيثُ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ أَنْ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ ، فَكَرِهَتْ ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِكَاحَهَا ، وَلَمْ يَقُلْ: إِلَّا أَنْ تَشَاءَ أَنْ تُجِيزِي مَا فَعَلَ أَبُوكِ ، مَعَ حَثِّهِ عَلَى طَاعَةِ الْآبَاءِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ أَجَازَتْهُ لَمْ يَجُزْ ، وَلِأَنَّ عَقْدَ الْمَنْكُوحَةِ إِذَا لَمْ تَصِرِ الْمَرْأَةُ بِهِ فِرَاشًا كَانَ فَاسِدًا كَالْمَنْكُوحَةِ فِي رِدَّةٍ أَوْ عِدَّةٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّهَا لَوْ جَاءَتْ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمِ يَلْحَقْ بِهِ ، وَلِأَنَّ مَا انْتَفَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ النِّكَاحِ مِنَ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالتَّوَارُثِ لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا كَالْمُتْعَةِ . وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهَا فِي زَمَانِ الْوَقْفِ طَلَاقٌ ، وَلَا ظِهَارٌ ، وَلَا تَوَارُثٌ: وَلِأَنَّ مَا افْتَقَرَ إِلَيْهِ عَقْدُ النِّكَاحِ كَانَ تَأَخُّرُهُ عَنِ الْعَقْدِ مُبْطِلًا لِلنِّكَاحِ كَالشَّهَادَةِ: وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ لُزُومِ النِّكَاحِ إِلَى مُدَّةٍ أَقْوَى مِنِ اشْتِرَاطِ لُزُومِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ: لِأَنَّ مِنَ الْعُقُودِ مَا يَنْعَقِدُ إِلَى مُدَّةٍ كَالْإِجَارَةِ ، وَلَيْسَ مِنْهَا مَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ مُدَّةٍ ، فَلَمَّا بَطَلَ بِاشْتِرَاطِ لُزُومِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ كَقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُهَا شَهْرًا ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يَبْطُلَ بِاشْتِرَاطِ لُزُومِهِ ، كَقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُهَا عَلَى إِجَازَتِهَا: لِأَنَّهُ إِذَا بَطَلَ بِمَا لَهُ فِي الصِّحَّةِ نَظِيرٌ ، فَأَوْلَى أَنْ يَبْطُلَ بِمَا لَيْسَ لَهُ فِي الصِّحَّةِ نَظِيرٌ: لِأَنَّ النِّكَاحَ إِذَا اعْتُبِرَ لُزُومُهُ بِشَرْطٍ مُتَيَقَّنٍ بَعْدَ الْعَقْدِ كَانَ أَقْوَى وَأَوْكَدَ مِنِ اعْتِبَارِ لُزُومِهِ بِشَرْطٍ مُجَوِّزٍ بَعْدَ الْعَقْدِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قَدْ