فهرس الكتاب

الصفحة 6087 من 8432

عَائِشَةُ أَمَتَهَا - وَكَانَتْ مُدَبِّرَةً لَهَا - فَاعْتَرَفَتْ بِالسِّحْرِ ، وَقَالَتْ: سَأَلَتُكِ الْعِتْقَ فَلَمْ تُعْتِقِينِي . فَبَاعَتْهَا عَائِشَةُ ، وَاشْتَرَتْ بِثَمَنِهَا أَمَةً أَعْتَقَتْهَا . وَلَوْ كَانَ قَتْلُهَا مُسْتَحَقًّا مَا اسْتَجَازَتْ بَيْعَهَا وَاسْتِهْلَاكَ ثَمَنِهَا عَلَى مُشْتَرِيهَا ، وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ تُنْكِرُ عَلَيْهَا بَيْعَهَا: وَلِأَنَّ السِّحْرَ تَخْيِيلٌ كَالشَّعْبَذَةِ وَهِيَ لَا تُوجِبُ الْكُفْرَ وَالْقَتْلَ ، فَكَذَلِكَ السِّحْرُ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ: فَرَاوِيهِ الْحَسَنُ وَهُوَ مُرْسَلٌ . وَضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ: قَدْ لَا يَكُونُ قَتْلًا فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِيهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَرَاوِيهِ بَجَالَةُ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ ، فَكَانَ أَيْضًا مُرْسَلًا ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَذْهَبًا لَهُ . وَأَمَّا حَفْصَةُ فَقَدْ أَنْكَرَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهَا قَتْلَهَا ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَقًّا لَمْ يُنْكِرْهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مَضَاهُ لِأَفْعَالِ الْخَالِقِ فَغَلَطٌ عَلَيْهِ وَفِيهِ: لِأَنَّ غَايَةَ سِحْرِهِ أَنْ يُؤْذِيَ ، وَلَيْسَ كُلُّ مُؤْذٍ وَمُضِرٍّ مُضَاهِيًا لِأَفْعَالِ خَالِقِهِ ، كَالضَّارِبِ وَالْقَاتِلِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ حُكْمُ تَعَلُّمِ السِّحْرِ: وَتَعَلُّمُهُ مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ: لِأَنَّ تَعَلُّمَهُ دَاعٍ إِلَى فِعْلِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَمَا دَعَا إِلَى الْمَحْظُورِ كَانَ مَحْظُورًا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ . فَإِنْ تَعَلَّمَهُ لَمْ يَكْفُرْ بِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْفُرُ بِتَعَلُّمِهِ: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَهَذَا مَذْهَبٌ ، يَفْسُدُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْكُفْرَ مُخْتَصٌّ بِالِاعْتِقَادِ ، وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ لَيْسَ بِاعْتِقَادٍ ، فَلَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ الْكُفْرُ . وَالثَّانِي: أَنَّ تَعَلُّمَ الْكُفْرِ أَغْلَظُ مِنْ تَعَلُّمِ السِّحْرِ ، وَهُوَ لَا يَكْفُرُ بِتَعَلُّمِ الْكُفْرِ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكْفُرَ بِتَعَلُّمِ السِّحْرِ ، فَأَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ وَارِدَةٌ فِي مُعَلِّمِ السِّحْرِ دُونَ مُتَعَلِّمِهِ ، وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ: لِأَنَّ الْمُعَلِّمَ مُثْبِتٌ وَالْمُتَعَلِّمَ مُتَخَيِّرٌ ، كَمَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ مُعَلِّمِ الْكُفْرِ وَمُتَعَلِّمِهِ ، وَعَلَى أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا كَفَرَةً بِغَيْرِ السِّحْرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذَا سَحَرَ رَجُلًا فَمَاتَ ، سُئِلَ عَنْ سِحْرِهِ: فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْمَلُ هَذَا لِأَقْتُلَ فَأُخْطِئُ الْقَتْلَ وَأُصِيبُ وَقَدْ مَاتَ مِنْ عَمَلِي ، فَفِيهِ الدِّيَةُ ، وَإِنْ قَالَ: مَرِضَ مِنْهُ وَلَمْ يَمُتْ . أَقْسَمَ أَوْلِيَاؤُهُ لَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَكَانَتِ الدِّيَةُ ، وَإِنْ قَالَ: عَمَلِي يَقْتُلُ الْمَعْمُولَ بِهِ ، وَقَدْ عَمَدْتُ قَتْلَهُ بِهِ ، قُتِلَ بِهِ قَوَدًا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا السِّحْرُ: فَهُوَ مَا يَخْفَى فِعْلُهُ مِنَ السَّاحِرِ ، وَيَخْفَى فِعْلُهُ فِي الْمَسْحُورِ ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ فِي الدَّعْوَى عَلَى السَّاحِرِ ، وَلَا تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ فِي الْمَسْحُورِ . فَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى سَاحِرٍ أَنَّهُ سَحَرَ وَلِيًّا لَهُ ، فَقَتَلَهُ بِسِحْرِهِ لَمْ يَسْتَوْصِفْ عَنِ السِّحْرِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت