أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دِينٍ وَاحِدٍ ، فَفِي وُجُوبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ -: أَنَّهُ لَا يَجِبُ ، وَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ ، وَهُوَ إِذَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ مُخَيَّرُونَ فِي الْتِزَامِ حُكْمِهِ ، اعْتِبَارًا بِأَهْلِ الْعَهْدِ: لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ -: أَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ وَاجِبٌ ، فَيَلْزَمُ الْحَاكِمُ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، وَعَلَيْهِمْ إِذَا حَكَمَ أَنْ يَلْتَزِمُوا حُكْمَهُ ، وَإِذَا اسْتَعْدَى أَحَدُهُمْ عَلَى الْآخَرِ أهل الذمة وَجَبَ أَنْ يُعْدِيَهُ الْحَاكِمُ ، وَأَنْ يُحْضِرَ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ أَجْبَرَهُ وَعَزَّرَهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [ الْمَائِدَةِ: 49 ] . وَهَذَا أَمْرٌ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [ التَّوْبَةِ: 29 ] . قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالصَّغَارُ أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا ، فَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُمْ حُكْمُهُ لَامْتَنَعُوا مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ ، وَلِأَنَّنَا نُجْرِيهِمْ بِالدَّفْعِ عَنْهُمْ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا مَجْرَى الْمُسْلِمِينَ ، فَوَجَبَ أَنْ نَدْفَعَ عَنْهُمْ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ لَهُمْ كَمَا نَحْكُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَبِهَذَا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُعَادِينَ ، لَا يَلْزَمُنَا أَنْ نَدْفَعَ عَنْهُمْ غَيْرَنَا ، فَلَمْ يَلْزَمْنَا أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، وَلَا أَنْ نَدْفَعَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ . فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِوَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى إِطْلَاقِهِ وَقَالَ: لَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الرِّضَا بِحُكْمِ الْإِمَامِ ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ الْمُتَرَافِعِينَ إِلَيْهِ ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَلْتَزِمُوا حُكْمَهُ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بَيْنَ ذِمِّيَيْنِ مِنْ دِينَيْنِ كَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ تَحَاكَمَا إِلَيْنَا ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِمْ: فَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يُخَرِّجُ وُجُوبَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ ، كَمَا لَوْ كَانَا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ: لَأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ . وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا . وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ دِينٍ وَاحِدٍ أَوْ دِينَيْنِ: أَنَّهُمَا إِذَا كَانَا مِنْ دِينٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَحْكُمْ ، كَانَ لَهُمْ حَاكِمٌ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، فَأَمْكَنَ وُصُولُهُمْ إِلَى الْحَقِّ مِنْهُ ، وَإِذَا كَانَا عَلَى دِينَيْنِ ، اخْتَلَفَا فِي الْحَكَمِ إِنْ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمَا حَاكِمُنَا ، فَدَعَا النَّصْرَانِيُّ إِلَى حَاكِمِ النَّصَارَى ، وَدَعَا الْيَهُودِيُّ إِلَى حَاكِمِ الْيَهُودِ ، فَتَعَذَّرَ وُصُولُ الْحَقِّ إِلَّا بِحَاكِمِنَا ، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْقَوْلَيْنِ ، فَهِيَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .