فهرس الكتاب

الصفحة 4231 من 8432

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَجِبُ قَوْلًا وَاحِدًا: لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ بِهَا غَيْرُ الْحَاكِمِ ، وَلَيْسَتْ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الَّتِي لَهَا خَصْمٌ يَطْلُبُ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا تَجُبْ قَوْلًا وَاحِدًا: لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي شِرْكِهِمْ أَعْظَمُ ، وَقَدْ أَقَرُّوا عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ مَا سِوَاهُ مِنْ حُقُوقِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ: لِأَنَّهُمْ فِيهَا مُتَشَاجِرُونَ مُتَظَالِمُونَ ، وَدَارُ الْإِسْلَامِ تَمْنَعُ مِنَ التَّظَالُمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّحَاكُمُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَمُعَاهَدٍ ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ قَوْلًا وَاحِدًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا: لِأَنَّهُمَا يَتَجَاذَبَانِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ أَغَلَبَ لِرِوَايَةِ عَائِذِ بْنِ عُمَرَ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى وَلَوْ كَانَ التَّحَاكُمُ بَيْنَ ذِمِّيٍّ وَمُعَاهَدٍ كَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ تَغْلِيبًا لِأَوْكَدِهِمَا حُرْمَةً كَمَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَمُعَاهَدٍ ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي هِيَ أَوْكَدُ .

فَصْلٌ: ثُمَّ إِذَا حَكَمَ حَاكِمُنَا بَيْنَ ذِمِّيَيْنِ أَوْ مُعَاهَدَيْنِ فبم يحكم بينهما ؟ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالتَّوْرَاةِ إِنَّ كَانَا يَهُودِيَّيْنِ ، وَلَا بِالْإِنْجِيلِ إِنْ كَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ ، وَلَمْ يَحْكُمْ إِلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [ الْمَائِدَةِ: 49 ] أَيْ يَفْتِنُونَكَ بِتَوْرَاتِهِمْ وَإِنْجِيلِهِمْ عَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ الْمَائِدَةِ: 44 ] . فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ لَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِهِمْ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا [ الْمَائِدَةِ: 44 ] . وَقَدْ أَحْضَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّوْرَاةَ حِينَ رَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ حَتَّى رَجَمَهُمَا: لِمَا فِيهَا مِنَ الرَّجْمِ . قِيلَ: أَمَّا الْآيَةُ فَتَضَمَّنَتْ صِفَةَ التَّوْرَاةِ عَلَى مَا كَانَتْ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ، وَكَذَا كَانَ حَالُهَا ثُمَّ غُيِّرَتْ حِينَ بَدَّلَ أَهْلُهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [ الْأَنْعَامِ: 91 ] . وَمَعَ تَغْيِرِهِمْ لَهَا وَتَبْدِيلِهِمْ فِيهَا لَا يَتَمَيَّزُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ فَوَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهَا ، وَأَمَّا إِحْضَارُهُ التَّوْرَاةَ عِنْدَ رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ ، فَلِأَنَّهُ حِينَ حَكَمَ عَلَيْهِمَا بِالرَّجْمِ أَخْبَرَ الْيَهُودَ أَنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ ، فَأَنْكَرُوهُ ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهَا لِتَكْذِيبِهِمْ ، فَلَمَّا حَضَرَتْ تَرَكَ ابْنُ صُورِيَا - وَهُوَ أَحَدُ أَحْبَارِهِمْ - يَدَهُ عَلَى ذِكْرِ الرَّجْمِ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَفْعِ يَدِهِ ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ ، فَكَانَ إِحْضَارُهَا رَدًّا لِإِنْكَارِهِمْ وَإِظْهَارًا لِتَكْذِيبِهِمْ ، لَا لِأَنْ يَحْكُمَ بِهَا عَلَيْهِمْ: لِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ قَبْلَ حُضُورِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ:"فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمٌ مَضَى لَمْ يُزَوِّجْهُمْ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ مُسْلِمِينَ ،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت