فهرس الكتاب

الصفحة 1766 من 8432

فَإِذَا جَرَحَ صَيْدًا ، أَوْ قَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [ الْمَائِدَةِ: ] ، فَلَمَّا أَوْجَبَ الْجَزَاءَ فِي قَتْلِهِ انْتَفَى وُجُوبُ الْجَزَاءِ فِي غَيْرِ قَتْلِهِ ، قَالَ: وَلِأَنَّ الْجَزَاءَ كَفَّارَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ [ الْمَائِدَةِ: ] ، وَالْكَفَّارَةُ إِنَّمَا تَجِبُ فِي النُّفُوسِ ، وَلَا تَجِبُ فِي الْأَطْرَافِ وَالْأَبْعَاضِ ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا [ الْمَائِدَةِ: ] ، وَالصَّيْدُ هُوَ الْمَصِيدُ ، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَفْعَالَنَا فِيهِ ، وَإِذَا كَانَ الْجُرْحُ مُحَرَّمًا كَالْقَتْلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا كَالْقَتْلِ: وَلِأَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ كَانَتْ نَفْسُهُ مَضْمُونَةً كَانَتْ أَطْرَافُهُ مَضْمُونَةً كَالْبَهَائِمِ ، فَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي إِيجَابَ الْجَزَاءِ الْكَامِلِ فِي الْقَتْلِ ، وَلَا يَبْقَى وُجُوبُ الضَّمَانِ بِنَقْصِ الْجَزَاءِ فِيمَا سِوَى الْقَتْلِ ، لَا مِنْ طَرِيقِ النُّطْقِ وَلَا مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْجَزَاءَ كَفَّارَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا بِاسْمِ الْكَفَّارَةِ ، فَهِيَ إِنْ كَانَتْ مُسَمَّاةً بِالْكَفَّارَةِ فَذَاكَ فِي الْإِطْعَامِ دُونَ الْجَزَاءِ ، وَهِيَ فِي مَعْنَى حُقُوقِ الْأَمْوَالِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ وَقَطْعَ عُضْوٍ مِنْهُ مَضْمُونٌ كَضَمَانِ نَفْسِهِ وَجَبَ عَلَى جَارِحِ الصَّيْدِ أَنْ يُرَاعِيَ جُرْحَهُ ، وَيَتَعَاهَدَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ، فَإِذَا انْدَمَلَ الْجُرْحُ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ ، فَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ حِينَئِذٍ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا جُرْحَ بِهِ ، فَإِذَا قِيلَ: قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ قُوِّمَ وَهُوَ مَجْرُوحٌ قَدِ انْدَمَلَ جُرْحُهُ ، فَإِذَا قِيلَ: تِسْعُونَ دِرْهَمًا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ نَقَصَ بِالْجِرَاحَةِ الْعُشْرَ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ: فَيَكُونُ عَلَيْهِ عُشْرُ ثَمَنِ شَاةٍ: لِأَنَّ الصَّيْدَ ظَبْيٌ ، لَوْ قَتَلَهُ لَافْتَدَاهُ بِشَاةٍ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ، فَكَانَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ يَقُولُ: عَلَيْهِ عُشْرُ شَاةٍ ، فَأَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي الْجِرَاحِ جراح صيد الحرم كَمَا أَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي النَّفْسِ ، وَسَاعَدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى ذَلِكَ: لِأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ كَانَتْ مَضْمُونَةً بِالْمِثْلِ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مَضْمُونَةً بِالْمِثْلِ ، كَالطَّعَامِ الْمَغْصُوبِ إِذَا أَتْلَفَ جَمِيعَهُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ أَتْلَفَ قَفِيزًا مِنْهُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ ، وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا يَحْمِلُونَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَيُوجِبُونَ عَلَيْهِ عُشْرَ ثَمَنِ شَاةٍ ؛ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَضْمُونَةٍ بِالْمِثْلِ كَانَ النَّقْصُ الدَّاخِلُ عَلَيْهَا بِالْجِنَايَةِ مَضْمُونًا بِالْأَرْشِ مِنَ الْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ كَالطَّعَامِ الْمَغْصُوبِ إِذَا بَلَّهُ بِالْمَاءِ ، أَوْ قَلَاهُ بِالنَّارِ ، ضَمِنَ أَرْشَ نَقْصٍ دُونَ الْمِثْلِ . وَالثَّانِي: أَنَّ فِي إِيجَابِ عُشْرِ شَاةٍ إِضْرَارًا بِهِ: لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى شُرَكَاءَ فِي الشَّاةِ لِيَكُونَ فِي شَرِيكِهِمْ فِيهَا بِالْعُشْرِ ، فَهَذَا مُتَعَذَّرٌ ، وَإِلَى أَنْ يَهْدِيَ شَاةً كَامِلَةً: لِيَصِلَ عُشْرُهَا إِلَى الْمَسَاكِينِ ، وَفِي ذَلِكَ إِضْرَارٌ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَانِ الْمَذْهَبَانِ فَعَلَى مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بَيْنَ أَنْ يَهْدِيَ عُشْرَ شَاةٍ ، أَوْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْعُشْرِ طَعَامًا ، أَوْ يُكَفِّرَ بَدَلَ الطَّعَامِ صِيَامًا ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرِ نَصِّهِ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: بَيْنَ عُشْرِ ثَمَنِ الشَّاةِ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت