فهرس الكتاب

الصفحة 1068 من 8432

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِخْرَاجُهَا عَلَى التَّرَاخِي فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَلَفُهَا بِجِنَايَةٍ مِنْهُ ، أَوْ يَكُونَ السَّاعِي قَدْ طَالَبَ بِهَا فَمَنَعَهُ ، قَالَ: لِأَنَّ الزَّكَاةَ إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَانَتْ فِي يَدِهِ أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ ، وَالْوَدَائِعُ لَا يَضْمَنُهَا إِلَّا بِجِنَايَةٍ أَوْ بِمُطَالَبَةِ رَبِّهَا بِهَا ، فَيَمْنَعُهُ فَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ . قَالَ: وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ فَهُمْ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا عَنْ قَوْمٍ وَيَصْرِفَهَا فِي آخَرِينَ ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مُسْتَحِقُّهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ بِحَبْسِهَا ، وَهَذَا خَطَأٌ . وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ: هُوَ أَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِوُجُودِ الْمَالِ ، فَإِذَا وَجَبَ لَمْ يَسْقُطْ وُجُوبُهُ بَعْدَ الْإِمْكَانِ بِتَلَفِ الْمَالِ ، كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ عَبِيدِهِ إِذَا مَاتُوا ، وَكَالْحَجِّ إِذَا تَلِفَ مَالُهُ بَعْدَ إِمْكَانِ أَدَائِهِ ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ قَدَرَ عَلَى أَدَائِهَا بَعْدَ وُجُودِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ ضَمَانُهَا ، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ السَّاعِي بِهَا ، وَلِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ بِالْوَصْفِ يَجْرِي مَجْرَى تَعْيِينٍ لِلْمُسْتَحِقِّينَ بِالِاسْمِ ، فَإِذَا أَلْزَمَهُ الضَّمَانَ بِمَنْعِ مُسْتَحِقِّيهَا بِالِاسْمِ وَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ الضَّمَانُ بِمَنْعِ مُسْتَحِقِّيهَا بِالْوَصْفِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهَا كَالْوَدِيعَةِ لَا يَضْمَنُ إِلَّا بِجِنَايَةٍ ، أَوْ مَنْعٍ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ . فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: تَأْخِيرُهَا بَعْدَ إِمْكَانِ أَدَائِهَا جِنَايَةٌ مِنْهُ عَلَيْهَا ، عَلَى أَنَّ مِنَ الْوَدَائِعِ مَا يَجِبُ ضَمَانُهَا مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَتِهِ ، وَهِيَ مَا لَمْ يَعْلَمْ رِضَا مَالِكِهَا بِإِمْسَاكِهَا ، كَالثَّوْبِ إِذَا طَارَ بِهِ الرِّيحُ إِلَى دَارِ رَجُلٍ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إِذَا لَمْ يُبَادِرْ بِرَدِّهِ وَإِعْلَامِهِ ، وَكَمَوْتِ رَبِّ الْوَدِيعَةِ ، يُوجِبُ عَلَى الْمُودِعِ رَدَّهَا عَلَى الْوَارِثِ ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا ضَمِنَهَا ، كَذَلِكَ الزَّكَاةُ لَيْسَ يُعْلَمُ رِضَا مُسْتَحِقِّهَا بِحَبْسِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ ضَمَانُهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ مُسْتَحِقَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا عَنْ قَوْمٍ وَيَصْرِفَهَا فِي آخَرِينَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهَا عَنْ قَوْمٍ إِلَى غَيْرِهِمْ إِذَا حَضَرَ جَمِيعُ الْمَسَاكِينِ ، فَأَمَّا إِذَا حَضَرَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهَا عَمَّنْ حَضَرَ لِيَدْفَعَهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمِنَ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَمَا هَلَكَ أَوْ نَقَصَ فِي يَدَيِ السَّاعِي فَهُوَ أَمِينٌ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمِيُّ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا أَخَذَ السَّاعِي زَكَاةَ الْأَمْوَالِ فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ ، وَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَمُهُمْ فِيهَا ؛ لِأَنَّ السَّاعِيَ وَكِيلٌ لِلْمَسَاكِينِ فِي قَبْضِ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي أَمْوَالِهِمْ ، وَالْوَكِيلُ إِذَا اسْتَوْفَى فِي حَقِّ مُوَكِّلِهِ بَرِئَ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، سَوَاءٌ وَصَلَ ذَلِكَ إِلَى الْمُوَكِّلِ أَمْ لَا ، فَأَمَّا السَّاعِي فَإِنْ كَانَ لَمْ يُفَرِّطْ فِيمَا بِيَدِهِ وَإِنَّمَا حَبَسَهَا لِجَمْعِ الْفُقَرَاءِ أَوْ لِلْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ فَرَّطَ أَوْ تَعَدَّى أَوْ حَبَسَهَا مَعَ وُجُودِ مُسْتَحِقِّيهَا لَزِمَهُ ضَمَانُهَا ، كَتَفْرِيطِ الْأُمَنَاءِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت