فَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [ الْمَائِدَةِ: ] فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَمْسَحَ جَمِيعَ مَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّأْسِ ، وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى مَا قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، وَبِحَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ . وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْتِيعَابُهُ بِالتَّطْهِيرِ وَاجِبًا كَالْوَجْهِ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ كَانَ مَحَلًّا لِفَرْضِ الْمَسْحِ تَعَلَّقَ بِهِ فَرْضُ الْمَسْحِ أَصْلُهُ الْبَعْضُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [ الْمَائِدَةِ: ] وَمِنْهُ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَرَبَ لَا تُدْخِلُ فِي الْكَلَامِ حَرْفًا زَائِدًا إِلَّا بِفَائِدَةٍ ، وَالْبَاءُ الزَّائِدَةُ قَدْ تَدْخُلُ فِي كَلَامِهِمْ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا لِلْإِلْصَاقِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَصِحُّ الْكَلَامُ بِحَذْفِهَا ، وَلَا يَتَعَدَّى الْفِعْلُ إِلَى مَفْعُولِهِ إِلَّا بِهَا كَقَوْلِهِمْ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الْحَجِّ: ] . لِمَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَقُولُوا مَرَرْتُ زَيْدًا ، وَلْيَطَّوَّفُوا الْبَيْتَ كَانَ دُخُولُ الْبَاءِ لِلْإِلْصَاقِ ، وَلِتَعَدِّي الْفِعْلِ إِلَى مَفْعُولِهِ . وَإِمَّا لِلتَّبْعِيضِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَصِحُّ الْكَلَامُ بِحَذْفِهَا ، وَبِتَعَدِّي الْفِعْلِ إِلَى مَفْعُولِهِ بَعْدَهَا لِيَكُونَ لِزِيَادَتِهَا فَائِدَةٌ . فَلَمَّا حَسُنَ حَذْفُهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [ الْمَائِدَةِ: ] لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ:"وَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ"صَلَحَ ، دَلَّ عَلَى دُخُولِهَا لِلتَّبْعِيضِ . وَالثَّانِي: أَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ إِذَا أَرَادُوا ذِكْرَ كَلِمَةٍ اقْتَصَرُوا عَلَى أَوَّلِ حَرْفٍ مِنْهَا اكْتِفَاءً بِهِ ، عَنْ جَمِيعِ الْكَلِمَةِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كهيعص أَنَّ الْكَافَ مِنْ كَافِي ، وَالْهَاءَ مِنْ هَادِي ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافِ . أَيْ وَقَفْتُ ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ: نَادَوْهُمْ أَنْ أَلْجَمُوا أَلَا تَا فَقَالُوا جَمِيعًا كُلُّهُمْ أَلَا فَا ، وَمَعْنَاهُ: نَادَوْهُمْ أَنْ أَلْجَمُوا أَلَا تَرْكَبُونَ ؟ قَالُوا جَمِيعًا أَلَا فَارْكَبُوا .