فهرس الكتاب

الصفحة 1204 من 8432

فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [ الْبَقَرَةِ: ] ، فَهِيَ عَامَّةٌ وَلَا بُدَّ مِنْ دَعْوَى الْإِضْمَارِ فِيهَا ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِلَّا الْفِضَّةَ وَنَحْنُ نَقُولُ إِلَّا مَا يُقْتَاتُ ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْإِضْمَارَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَتَعَارَضَا ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ فِي الْخَضْرَوَاتِ شَيْءٌ يَخُصُّهُ ، وَبِهَذَا الْجَوَابِ يَنْفَصِلُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [ الْأَنْعَامِ: ] ، وَيَنْفَصِلُ عَنْهُ أَيْضًا بِجَوَابَيْنِ آخَرِينَ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ مِنْ صَدَقَةٍ يَتَطَوَّعُ بِهَا يَوْمَ الْحَصَادِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِإِيتَاءِ حَقِّهِ ، وَلَمْ يَقُلْ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ حَقٌّ ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَمَرَنَا بِإِخْرَاجِهِ يَوْمَ حَصَادِهِ ، وَالزَّكَاةُ لَا يَجِبُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْحَصَادِ إِلَّا بَعْدَ الْجَزِّ وَالدِّيَاسِ ، فَبِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ ، فَهَذَا أَحَدُ الْجَوَابَيْنِ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّكَاةِ إِلَّا أَنَّهُ عَلَّقَ الزَّكَاةَ بِمَا كَانَ مِنْهُ مَحْصُودًا ، وَالْحَصَادُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِي الْأَشْجَارِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ ، فَإِنْ قِيلَ الْحَصَادُ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: ] ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْصُدْهُمْ حَصِيدًا حَتَّى تَلْقَنِي عَلَى الصَّفَا . وَإِذَا كَانَ الْحَصْدُ هُوَ الِاسْتِئْصَالُ صَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ وَآتُو حَقَّهُ يَوْمَ اسْتِئْصَالِهِ ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِزَرْعٍ مِنْ غَيْرِهِ ، قِيلَ: عَنْ هَذَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَقِيقَةَ الْحَصَادِ فِي الزُّرُوعِ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي غَيْرِهِ ، يُقَالُ: حَصْدُ الزَّرْعِ وَجَذُّ التَّمْرِ ، وَقَطْفُ الْعِنَبِ وَجَدُّ الْبَقْلِ وَجَنَى الْفَاكِهَةِ قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ إِذْ كُلُّ جَانٍ يَدُهُ إِلَى فِيهِ وَقَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيكُنَّ ظِلٌّ وَلَا جَنًا فَأَبْعَدَكُنَّ اللَّهُ مِنْ شَجَرَاتِ وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّنَا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْحَصَادَ هُوَ الِاسْتِئْصَالُ فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ: لِأَنَّ الثِّمَارَ لَا تُسْتَأْصَلُ بَلْ تُتْرَكُ أُصُولُهَا وَتُجْنَى ثِمَارُهَا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرُ الْآيَةِ مُسْتَعْمَلًا تَكَافَأَ النِّزَاعُ فِيهَا وَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ فَجَوَابُهُ كَجَوَابِ الْآيَةِ الْأُولَى فَنَقُولُ قَدْ رَوَاهُ مُعَاذٌ تَامًّا فَقَالَ: وَأَمَّا الْبِطِّيخُ وَالْقِثَّاءُ وَالْخَضْرَاوَاتُ فَعَفْوٌ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ، فَكَانَ هَذَا مُخَصِّصًا لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ مُقْتَاتٌ فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَالْخَضْرَاوَاتُ لَمَّا كَانَتْ غَيْرَ مُقْتَاتَةٍ شَابَهَتِ الْحَشِيشَ وَالْحَطَبَ فَلَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت