فهرس الكتاب

الصفحة 1218 من 8432

وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ الْخَرَاجَ مِنْ أَحْكَامِ الشِّرْكِ ، وَالْعُشْرَ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى مَذْهَبِهِ: لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعُشْرَ عَلَى الذِّمِّيِّ ثُمَّ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى مَذْهَبِنَا: لِأَنَّ الْخَرَاجَ لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِ الشِّرْكِ لِجَوَازِ أَخْذِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَرْضُ الْمُسْتَأْجَرَةُ زكاتها فَعُشْرُ زَرْعِهَا وَاجِبٌ ، وَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مَالِكِ الزَّرْعِ الزكاة عليه أم على المالك . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَى الْمُؤَجِّرِ مَالِكِ الْأَرْضِ بِسَبَبَيْنِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُشْرَ مُقَابَلَةُ الْمَنْفَعَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُلْزَمَ مَالِكُ الْأَرْضِ كَالْخَرَاجِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْعُشْرَ مِنْ مُؤَنِ الْأَرْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَالِكِ الْأَرْضِ كَحَفْرِ الْآبَارِ وَكَرَيِّ الْأَنْهَارِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، [ الْبَقَرَةِ: ] ، وَالزَّرْعُ مُخْرَجٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَوَجَّهَ حَقُّ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ بِالِاتِّفَاقِ مَنْ مَنَّ عَلَيْهِ بِالْإِخْرَاجِ وَقَالَ تَعَالَى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ، [ الْأَنْعَامِ: ] ، فَأَمَرَ بِإِيتَاءِ الْحَقِّ مَنْ أَبَاحَ لَهُ الْأَكْلَ ، وَالْأَكْلُ مُبَاحٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمُؤَاجِرِ ، وَلِأَنَّهُ زَرْعٌ لَوْ كَانَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعُشْرَ فَوَجَبَ إِذَا كَانَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ الْعُشْرُ عَلَى مَالِكِهِ كَالْمُسْتَعِيرِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ فِي مَالٍ يَجِبُ أَدَاؤُهُ عَنْ مَالٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَالِكِ الْمَالِ كَالْخَرَاجِ ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِ بَيْنَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ: لِأَنَّ الْخَرَاجَ عَنْ رَقَبَةِ الْأَرْضِ فَوَجَبَ عَلَى مَالِكِهَا ، وَالْعُشْرُ عَنِ الزَّرْعِ فَوَجَبَ عَلَى مَالِكِهِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ جَمْعِهِ بَيْنَ الْعُشْرِ وَالْمُؤْنَةِ فَمِثْلُهُ سَوَاءٌ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلَا يَجِبُ فِي زُرُوعِهِ وَلَا ثِمَارِهِ الْعُشْرُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِوُجُوبِ الْعُشْرِ فِي زُرُوعِهِ وَثِمَارِهِ تَعَلُّقًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لِأَجْلِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ كَالْخَرَاجِ ، وَهَذَا غَلَطٌ وَلَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْعُشْرَ زَكَاةٌ بِقَوْلِهِ فِي الْكَرْمِ: يُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ زَكَاةٌ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي مَالِ الذِّمِّيِّ بِأَنَّهُ حَقٌّ مَأْخُوذٌ بِاسْمِ الزَّكَاةِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الذِّمِّيِّ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ ، وَالطَّرِيقَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ حَقٌّ يُصْرَفُ فِي أَهْلِ الصَّدَقَاتِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الذِّمِّيِّ كَالزَّكَوَاتِ ، فَأَمَّا عُمُومُ الْخَبَرِ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت