فهرس الكتاب

الصفحة 1370 من 8432

وَرُوِيَ"إِنِّي إِذًا صَائِمٌ". وَالدَّلَالَةُ فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْتِمَاسَهُ الطَّعَامَ لِيَأْكُلَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُفْطِرًا إِذْ لَوْ كَانَ صَائِمًا مَا الْتَمَسَ طَعَامًا وَلَا أَهَمَّ بِالْإِفْطَارِ ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا الْتَمَسَهُ لِوَقْتِ الْإِفْطَارِ لَا لِلْأَكْلِ فِي الْحَالِ ، قُلْنَا: لَوْ كَانَ هَذَا مُرَادَهُ لَقَالَ هَلْ مِنْ عَشَاءٍ ، فَلَمَّا قَالَ: هَلْ مِنْ غَدَاءٍ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ أَكْلَهُ فِي الْحَالِ ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ خَبَرَ مَنْزِلِهِ ، قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ:"هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ أَتَغَذَّى بِهِ"يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا: لَا . قَالَ:"إِنِّي صَائِمٌ"فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِمَا دَلَّ عَلَى مُرَادِهِ عَلَى أَنَّا رَوَيْنَا أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَحْضَرُوا الْغَدَاءَ أَكَلَ ، وَإِنْ لَمْ يُحْضِرُوهُ قَالَ:"إِنِّي صَائِمٌ". وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: مِنَ الْخَبَرِ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ بِصِيَامِهِ عِنْدَ فَقْدِ الطَّعَامِ دَلَّ عَلَى حُدُوثِ نِيَّتِهِ ، وَأَنَّ صَوْمَهُ إِنَّمَا كَانَ لِفَقْدِهِ لِيَكُونَ الْحُكْمُ مَحْمُولًا عَلَى سُنَّتِهِ . وَالدَّلِيلُ الثَّالِثُ مِنْهُ: قَوْلُهُ"إِنِّي إِذًا صَائِمٌ"فَمَعْلُومٌ أَنَّ إِذًا لِلِابْتِدَاءِ وَالِاسْتِثْنَاءِ لَا لِمَا مَضَى وَتَقَدَّمَ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ يَتَنَوَّعُ جِنْسُهَا فَرْضًا وَنَفْلًا وَيُخْرَجُ مِنْهَا بِالْفَسَادِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُخَالِفَ نَفْلُهَا فَرْضَهَا فِي تَرْكِ التَّوَجُّهِ وَالْقِيَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْحَجُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْرَجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَخْتَلِفُ فَرْضُ الصِّيَامِ وَنَفْلُهُ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ قُلْنَا: لَيْسَتِ الْكَفَّارَةُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا هِيَ مُوجِبَاتُ إِفْسَادِهِ ، عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَلْزَمُ لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ لَا لِفَرْضِ الصِّيَامِ ، فَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ بِعُمُومِ الْخَبَرِ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ ، فَالْمَعْنَى فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ مِنْهَا يُخَالِفُ النَّفْلَ مِنْ وُجُوهٍ ، فَجَازَ أَنْ يَتَّفِقَا فِي النِّيَّةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصِّيَامُ عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الصِّيَامِ لَمَّا جَازَ تَقَدُّمُهَا جَازَ تَأْخِيرُهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّلَاةُ .

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ النِّيَّةِ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ بعد الزوال نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ فِيهِ بَعْدَ الزَّوَالِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي نِيَّةِ الصِّيَامِ أَنَّ مَحَلَّهَا اللَّيْلُ لِلْخَبَرِ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَيَبْقَى مَا بَعْدَهُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ حَرْمَلَةُ جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللَّيْلُ مَحَلًا لِلنِّيَّةِ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت