فهرس الكتاب

الصفحة 1461 من 8432

أَحَدُهُمَا: اعْتِكَافُهُ جَائِزٌ لِمَا ذَكَرْنَا . وَالثَّانِي: بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ ، فَلَيْسَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ يَجِيءُ إِلَيْهِ وَيَسْمَعُ شَهَادَتَهُ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِنْ مَرِضَ أَوْ أَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ وَاعْتِكَافُهُ وَاجِبٌ المعتكف فَإِذَا بَرِئَ وَخُلِّيَ عَنْهُ بَنَى ، فَإِنْ مَكَثَ بَعْدَ بُرْئِهِ شَيْئًا مِنَ غَيْرِ عُذْرٍ ابْتَدَأَ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ اعْتِكَافُ أَيَّامٍ سَابِقَةٍ فَمَرِضَ ، فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَرَضُهُ يَسِيرًا يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ ، كَالصُّدَاعِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ وَنُفُورِ الْعَيْنِ ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَإِنْ خَرَجَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَلَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مُخْتَارًا لِغَيْرِ حَاجَةٍ . وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مَرَضُهُ زَائِدًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْمُقَامِ فِي الْمَسْجِدِ ، فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَإِذَا بَرَأَ عَادَ إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَبَنَى عَلَى اعْتِكَافِهِ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ غَيْرَ مُخْتَارٍ فَصَارَ كَالْخَارِجِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ مِنَ الْمَرِيضِ إِذَا أَفْطَرَ فِي صَوْمِ الظِّهَارِ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَفِي مَعْنَى الْمَرِيضِ مَنْ خَرَجَ خَوْفَ لِصٍّ أَوْ حَرِيقٍ ، فَإِذَا زَالَ خَوْفُهُ عَادَ إِلَى اعْتِكَافِهِ ، وَبَنَى عَلَيْهِ ."

فَصْلٌ: فَأَمَّا إِنْ أَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ مِنَ عْتِكَافِهِ مالحكم ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ السُّلْطَانُ لَهُ ظَالِمًا ، وَهُوَ فِي الْخُرُوجِ مَظْلُومٌ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ ، فَإِذَا أَطْلَقَ عَادَ وَبَنَى عَلَى اعْتِكَافِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ . وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ السُّلْطَانُ مُحِقًّا فِي إِخْرَاجِهِ ، وَهُوَ الظَّالِمُ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ حَقٍّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَائِهِ ، فَقَدْ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِاخْتِيَارِهِ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ السُّلْطَانُ مُحِقًّا فِي إِخْرَاجِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ وَلَا مُمْتَنِعٌ مَنْ حَقٍّ ، وَإِنَّمَا أُخْرِجَ لِإِقَامَةِ حَدٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ قَطْعٍ أَوْ جَلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ ، لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا فَعَلَ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، فَقَدْ صَارَ مُخْتَارًا لِلْخُرُوجِ ، فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ اعْتِكَافُهُ ، إِذَا أُخْرِجَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، قِيلَ: لَمْ يَفْعَلْ مَا وَجَبَ بِهِ الْحَدُّ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهِ ، وَاسْتِعَادَةِ الْمِلْكِ لِسَرِقَتِهِ ، فَصَارَ كَالْمُعْتَدَّةِ تَبْنِي عَلَى اعْتِكَافِهَا ، وَإِنْ فَعَلَتِ النِّكَاحَ بِاخْتِيَارِهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْ بِالنِّكَاحِ وُجُوبَ الْعِدَّةِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَتْ بِهِ اكْتِسَابَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ ، وَمَتَى قُلْنَا أَنَّ اعْتِكَافَهُ لَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ فَعَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ ، فَإِنْ وَقَفَ بَعْدَ فَرَاغِهِ شَيْئًا ، وَإِنْ قَلَّ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت