تَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [ الْإِسْرَاءِ: ] ، يَعْنِي: الْحَرَمَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي مَنْزِلِ خَدِيجَةَ ، وَقَالَ تَعَالَى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [ الْفَتْحِ: ] ، يَعْنِي: الْحَرَمَ . وَقَالَ تَعَالَى: فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [ التَّوْبَةِ: ] ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحَرَمَ عَلَى مَا دَلَّلْنَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [ الْبَقَرَةِ: ] ، إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْكَعْبَةَ ، وَإِذَا ثَبَتَ بِمَا دَلَّلْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: الْحَرَمُ ، فَحَاضِرُو الْحَرَمِ غَيْرُ مَنْ فِي الْحَرَمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [ الْأَعْرَافِ: ] ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: هِيَ"أُبُلَّةُ"وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْبَحْرِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مُقَارِبَةٌ لِلْبَحْرِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ غَيْرُ أَهْلِ الْحَرَمِ ، بَطُلَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ قَارَبَ قَوْلَهُ ، وَانْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، فَيُقَالُ لَهُ: حَاضِرُو الْحَرَمِ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ دُونَ مَنْ كَانَ بَعِيدًا ، كَمَا يُقَالُ: كُنْتُ بِحَضْرَةِ فُلَانٍ ، أَيْ قَرِيبًا مِنْهُ ، وَهَذِهِ حَضْرَةُ الْمَلِكِ لِلْبَلَدِ الَّذِي مُتَوَلِّيهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْبِلَادِ إِلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَاعْتِبَارُ الْقُرْبِ بِمَا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَوْلَى مِنَ اعْتِبَارِهِ بِالْمِيقَاتِ: لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ فِيهِ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ رُخَصَ السَّفَرِ ، فَكَانُوا بِالْقُرْبِ أَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْمِيقَاتِ الَّذِينَ قَدْ يَسْتَبِيحُونَ رُخَصَ السَّفَرِ كَالْأَبَاعِدِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْجِهَاتِ ، وَالْأَمْكِنَةِ ، وَمَوَاقِيتِ الْبِلَادِ مُخْتَلِفَةٌ ، فَمِيقَاتُ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ ، وَهِيَ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ ، وَمِيقَاتُ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ ، وَهِيَ عَلَى مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، فَيُؤَدِّي إِلَى أَنَّ مَنْ كَانَ فَوْقَ ذَاتِ عِرْقٍ بِذِرَاعٍ فَهُوَ بَعِيدٌ مِنَ الْحَرَمِ ، وَلَيْسَ مِنْ حَاضِرِيهِ ، وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةُ يَوْمٍ ، وَمَنْ كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْحَرَمِ وَمِنْ جُمْلَةِ حَاضِرِيهِ ، وَبَيْنَهُمَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، وَهَذَا بَعِيدٌ فِي الْمَعْقُولِ فَاسِدٌ فِي الْعِبْرَةِ . وَيَدُلُّ عَلَى مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ أَنْ يُقَالَ: كُلٌّ مَنْ لَمْ يَسْتَبِحْ رُخَصَ السَّفَرِ فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْحَرَمِ ، وَكَأَهْلِ ذِي طُوًى . فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَالْخِلَافُ مَعَهُ يَتَقَرَّرُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْ كَانَ فَوْقَ الْمِيقَاتِ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهَا الصَّلَاةُ ، فَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَاضِرِي الْحَرَمِ ، وَعِنْدَنَا أَنَّهُ مِنْ حَاضِرِيهِ . وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ ، أَنَّ مَنِ اسْتَبَاحَ رُخَصَ السَّفَرِ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْحَرَمِ ، كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ، فَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنَ الْآيَةِ ، فَقَدْ مَضَى فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَيْهِ .