فَصْلٌ: وَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ التَّحَرِّي ، عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ يَتَحَرَّى فِي إِحْرَامِهِ عند الشك ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ، [ أَنَّهُ كَانَ يَحُجُّ مَضَى فِيهِ وَأَجْزَأَهُ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِنْ كَانَ ] بِعُمْرَةٍ مَضَى فِيهَا وَأَجْزَأَتْهُ ، وَإِنِ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ عِنْدَهُ وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا ، اعْتَقَدَ الْقِرَانَ حِينَئِذٍ . وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ التَّحَرِّيَ لَا يَجُوزُ ، عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ الْقِرَانَ ، وَيَنْوِيَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ: لِأَنَّ إِحْرَامَهُ قَدْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا ، فَلَا يَصِيرُ قَارِنًا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُمَا ، فَإِنْ نَوَى الْقِرَانَ ، انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى الْأَجْزَاءِ ، فَنَقُولُ: أَمَّا الْحَجُّ ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهُ ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ بِحَجٍّ فَقَدْ أَدَّاهُ ، وَلَا يَضُرُّهُ إِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ بِعُمْرَةٍ فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا حَجًّا وَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ ، فَلِذَلِكَ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَهُوَ أَحَدُ نُسُكَيْهِ ، فَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَإِجْزَاؤُهَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ ، فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ يَجُوزُ إِدْخَالُهَا عَلَى الْحَجِّ ، فَعَلَى هَذَا تُجْزِئُهُ الْعُمْرَةُ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَجُوزُ إِدْخَالُهَا عَلَى الْحَجِّ ، فَعَلَى هَذَا: هَلْ تُجْزِئُهُ الْعُمْرَةُ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُجْزِئُهُ ، لِأَنَّهَا قَدْ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا حَجًّا فَيُجْزِئُ ، أَوْ أَدْخَلَهَا عَلَى الْحَجِّ فَلَا تُجْزِئُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُجْزِئُهُ ، لِأَنَّ إِدْخَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ ، لَا يَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِزَوَالِ الْإِشْكَالِ وَارْتِفَاعِ الضَّرُورَةِ ، فَأَمَّا مَعَ حُدُوثِ الْإِشْكَالِ وَحُصُولِ الضَّرُورَةِ فَجَائِزٌ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا وُجُوبُ الدَّمِ على القارن عَلَيْهِ ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَعًا يُجْزِئَانِهِ عَنْ فَرْضِهِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ لِقِرَانِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْحَجَّ يُجْزِئُ وَإِنَّ الْعُمْرَةَ لَا تُجْزِئُ ، فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ: لِأَنَّ الْعُمْرَةَ إِذَا لَمْ تُجْزِهِ فَالْقِرَانُ لَا يُحْكَمُ بِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ دَمٌ لِأَجْلِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ ، عَلَيْهِ دَمٌ ، لِأَنَّنَا لَمْ نُسْقِطْ فَرْضَ الْعُمْرَةِ عَنْ ذِمَّتِهِ احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ فَرْضُهَا قَدْ يَسْقُطُ ، فَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَلْزَمَ الدَّمُ احْتِيَاطًا وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَجِبْ ، فَكَذَا حُكْمُ شَكِّهِ إِذَا كَانَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ وَقَبْلَ الْأَخْذِ فِي نُسُكِهِ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ القارن ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ ، فَيَطُوفَ وَيَسْعَى ، وَيَحْلِقَ ، وَيَرْمِيَ ، وَقَدْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ بِيَقِينٍ لِإِتْيَانِهِ بِأَفْعَالِ النُّسُكَيْنِ ، كَمَالًا ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِحَالٍ: لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ حَاجًّا ، فَقَدْ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ