وَالسَّرَاوِيلِ ، وَالتُّبَّانِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ فِي بَدَنِهِ مَا يَلْبَسُ غَيْرَ مَخِيطٍ ، كَالْمِئْزَرِ وَالرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ وَالْكِسَاءِ لِأَنَّ الْمَخِيطَ يَحْفَظُ نَفْسَهُ فَمُنِعَ مِنْهُ ، وَغَيْرُ الْمَخِيطِ لَا يَحْفَظُ نَفْسَهُ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ . فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ يُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ مَا يَحْفَظُ نَفْسَهُ مِنَ الْمَخِيطِ وَلِمَ يُمْنَعَ مِنْ لَبِسَ مَا لَا يَحْفَظُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ الْمَخِيطِ . قِيلَ: لِأَنَّ مَا لَا يَحْفَظُ نَفْسَهُ يَبْعَثُهُ عَلَى مُرَاعَاتِهِ ، فَيَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِحْرَامِهِ ، فَيَتَجَنَّبُ مَا أُمِرَ بِاجْتِنَابِهِ ، فَعَلَى هَذَا لَوِ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ ، وَاتَّزَرَ بِالسَّرَاوِيلِ ، جَازَ: لِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ نَفْسَهُ ، وَكَذَا الطَّيْلَسَانُ ، لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ مَا لَمْ يَزِرَّهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ نَفْسَهُ ، فَإِنْ زَرَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْبَسَهُ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ نَفْسَهُ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْقَبَاءُ لبسه الرجال في الحج ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَهُ ، فَإِنْ لَبِسَهُ ، وَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ . فَإِنْ أَسْدَلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ ، وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ ، نُظِرَ فِيهِ . فَإِنْ كَانَ مِنْ أَقْبِيَةِ خُرَاسَانَ ، قَصِيرَةِ الذَّيْلِ ضَيِّقَةِ الْأَكْمَامِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ: لِأَنَّهُ يُلْبَسُ هَكَذَا . وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقْبِيَةِ الْعِرَاقِ ، طَوِيلَةِ الذَّيْلِ وَاسِعَةِ الْأَكْمَامِ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ: لِأَنَّهُ لَا يُتَحَفَّظُ بِهَذَا اللُّبْسِ ، وَلَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا لُبْسُ الْخُفَّيْنِ حال الحج فَغَيْرُ جَائِزٍ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ ، وَإِنْ أَجَازَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، لِنَصِّ الْخَبَرِ فَإِذَا عَدِمَ النَّعْلَيْنِ ، جَازَ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ إِذَا قَطَعَهُمَا مِنْ دُونِ الْكَعْبَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهُمَا ، لَمْ يَجُزْ ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إِنْ لَبِسَهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَهُمَا غَيْرَ مَقْطُوعَيْنِ ، عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ ، اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا ، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ". وَالدَّلَالَةُ عَلَى مَا قُلْنَا . رِوَايَةُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ". فَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِزِيَادَتِهِ ، فَأَمَّا إِنْ لَبِسَهُمَا مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ ، أَوْ لَبِسَ شمشكينَ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ ، فَهَلْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَطْعِهِمَا عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ ، لِيَصِيرَ فِي مَعْنَى النَّعْلَيْنِ ، فَلَا يُتَرَفَّهُ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهِمَا مَعَ النَّعْلَيْنِ وَعَدَمِهِمَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ - وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ -: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَهُمَا مَقْطُوعَيْنِ ، إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ ، فَأَمَّا مَعَ وُجُودِهِمَا فَلَا ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إِنْ لَبِسَهُمَا ،"