مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَلَا يُغَطِّي رَأْسَهُ ، وَلَهُ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ المحرم". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَعَلَيْهِ كَشْفُ رَأْسِهِ إِجْمَاعًا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ كَشْفُ وَجْهِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَقَالَ مَالِكٌ: وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ كَشْفَ وَجْهِهِ ، كَمَا عَلَيْهِ كَشْفُ رَأْسِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ تَعَلُّقًا بِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مُحْرِمٍ خَرَّ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَوُقِصَ فَمَاتَ: لَا تُخْفِرُوا رَأْسَهُ ، وَلَا وَجْهَهُ . وَلِأَنَّهُ شَخْصٌ مُحْرِمٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَشْفُ وَجْهِهِ ، كَالْمَرْأَةِ ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ ، رِوَايَةُ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فِي مُحْرِمٍ خَرَّ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَوَقَصَتْهُ فَمَاتَ:"لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ، وَخَمِّرُوا وَجْهَهُ". وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَمَّنْ ذَكَرْنَا مِنْهُمْ ، وَلَيْسَ يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ ، وَمَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَلَيْسَ مُخَالِفًا لَهُمْ: لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ مَا فَوْقَ الذَّقْنِ مِنَ الرَّأْسِ فَهُوَ إِنَّمَا أَوْجَبَ كَشْفَهُ لِوُجُوبِ كَشْفِ الرَّأْسِ: وَلِأَنَّهُ شَخْصٌ مُحْرِمٌ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ كَشْفُ عُضْوَيْنِ كَالْمَرْأَةِ . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْخَبَرِ ، فَخَبَرُنَا أَوْلَى لِزِيَادَتِهِ ، ثُمَّ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي كَشْفِ مَا لَا يُمْكِنُ كَشْفُ الرَّأْسِ إِلَّا بِهِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَرْأَةِ ، فَالْمَعْنَى فِيهَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا كَشْفُ غَيْرِ الْوَجْهِ ، وَجَبَ عَلَيْهَا كَشْفُ الْوَجْهِ . وَالرَّجُلُ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ كَشْفُ غَيْرِ الْوَجْهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَشْفُ الْوَجْهِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَلَيْهِ كَشْفَ رَأْسِهِ دُونَ وَجْهِهِ ، فَإِنْ غَطَّى رَأْسَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ ، وَإِنْ قَلَّ بِمَخِيطٍ ، وَغَيْرِ مَخِيطٍ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَلَكِنْ لَوْ غَطَّى رَأْسَهُ بِكَفِّهِ المحرم فما الحكم ، لَمْ يَفْتَدِ: لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُغَطِّيًا لِرَأْسِهِ بِنَفْسِهِ ، وَلَوْ غَطَّى رَأْسَهُ بِكَفِّ غَيْرِهِ المحرم فما الحكم ، كَانَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ: لِأَنَّ مَا تَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَكُونُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، كَالثَّوْبِ ، فَلَمَّا لَمْ تَجِبِ الْفِدْيَةُ فِي تَغْطِيَتِهِ بِكَفِّ نَفْسِهِ ، فَكَذَلِكَ لَا تَجِبُ فِي تَغْطِيَتِهِ بِكَفِّ غَيْرِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، لِأَنَّ كَفَّهُ بَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِهِ ، وَلَيْسَ كَفُّ غَيْرِهِ بَعْضًا مِنْ أَبْعَاضِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ عَلَى كَفِّ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَفِّ غَيْرِهِ جَازَ ، فَافْتَرَقَ حُكْمُهُمَا .