فهرس الكتاب

الصفحة 1582 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحِلَاقَ إِتْلَافٌ ، يَسْتَوِي حُكْمُ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ فِيهِ . وَالطِّيبُ ، اسْتِمْتَاعٌ ، يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي فِي إِيجَابِ الْفِدْيَةِ فِيهِ ، فَإِذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ وَتَطَيَّبَ فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَامِدًا ، فِيهِمَا جَمِيعًا ، فَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ ، لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لَا يَتَدَخَّلَانِ . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا ، فِيهِمَا جَمِيعًا ، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْحَلْقِ ، دُونَ التَّطَيُّبِ . الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ عَامِدًا فِي الطِّيبِ ، نَاسِيًا فِي الْحَلْقِ ، فَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ: لِأَنَّ عَمْدَهُ فِي الطِّيبِ ، يُوجِبُ الْفِدْيَةَ ، وَنِسْيَانُهُ فِي الْحَلْقِ لَا يُسْقِطُ الْفِدْيَةَ . وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ عَامِدًا فِي الْحَلْقِ ، نَاسِيًا فِي الطِّيبِ ، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ ، لِأَنَّ نِسْيَانَهُ فِي الطِّيبِ يُسْقِطُ الْفِدْيَةَ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَإِنْ حَلَقَ شَعْرَةً فَعَلَيْهِ مُدٌّ وَإِنْ حَلَقَ شَعْرَتَيْنِ فَمُدَّانِ وَإِنْ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فَدَمٌ وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فَفِي كُلِّ شَعْرَةٍ مُدٌّ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ رَأْسِهِ إِجْمَاعًا . فَإِنْ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَإِنْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَدْرِ مَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ ، وَيَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الدَّمَ يَجِبُ فِي حَلْقِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا فما الذي يجب على المحرم ، وَبِهِ يَقَعُ التَّحَلُّلُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ الدَّمُ فِي حَلْقِ رُبْعِ الرَّأْسِ ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا دُونَهُ ، وَبِهِ يَقَعُ التَّحَلُّلُ ، وَلَا يَقَعُ فِيمَا دُونَهُ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ الدَّمُ فِي حَلْقِ نِصْفِ الرَّأْسِ ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا دُونَهُ ، وَبِهِ يَقَعُ التَّحَلُّلُ ، وَلَا يَقَعُ فِيمَا دُونَهُ . وَالدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ الدَّمِ بِحَلْقِ ثَلَاثَةِ شَعَرَاتٍ . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ [ الْبَقَرَةِ: ] ، تَقْدِيرُهُ فَحَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ ، فَفِدْيَةٌ: لِأَنَّ الرَّأْسَ لَا يُحْلَقُ ، وَإِنَّمَا يُحْلَقُ الشَّعْرُ فَإِذَا حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ جَمْعٍ مُطْلَقٍ ، كَانَ حَالِقًا لِرَأْسِهِ وَثَلَاثُ شَعَرَاتٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْجَمْعِ: فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الدَّمِ ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ يَقَعُ بِحَلْقِ ثَلَاثَةِ شَعَرَاتٍ ، أَوْ بِقَصْرِهَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ . وَالِاسْتِدْلَالُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ ، كَالِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ مُحْرِمٌ حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ: فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ بِهِ الدَّمُ ، وَيَقَعَ بِهِ التَّحَلُّلُ كَالرُّبُعِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا إِنْ حَلَقَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ المحرم فما الحكم ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْفِدْيَةِ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت