لِأَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يَأْتِيَ قُزَحَ ، فَيَقِفَ فِيهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، وَيَدْعُو سِرًّا كَمَا دَعَا بِعَرَفَةَ ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ لِلدُّعَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [ الْبَقَرَةِ: ] ، فَقِيلَ: إِنَّ قُزَحَ هُوَ الْمَشْعَرُ ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي فِي ذَيْلِهِ الْمَشْعَرُ ، وَالْمَشْعَرُ الْمَعْلَمُ ، وَالْمَشَاعِرُ الْمَعَالِمُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [ الْمَائِدَةِ: ] ، أَيْ: مَعَالِمَ اللَّهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنُسُكٍ ، وَلَا دَمَ عَلَى تَارِكِهِ ، ثُمَّ لَا يَزَالُ وَاقِفًا عِنْدَ الْمَشْعَرِ إِلَى أَنْ يُسَفِرَ الصُّبْحُ ، فَإِذَا أَسْفَرَ وَرَأَتِ الْإِبِلُ مَوَاقِعَ أَخْفَافِهَا دَفَعَ إِلَى مِنًى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّبَاعًا لِأَمْرِهِ ، وَرَوَى ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِّيَةِ يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، وَمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيْرُ ، فَأَخَّرَ اللَّهُ هَذِهِ ، وَقَدَّمَ هَذِهِ"يَعْنِي: قَدَّمَ الْمُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَأَخَّرَ عَرَفَةَ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، قَالَ: خَطَبَنَا"رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِعَرَفَاتٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانُوا يَدْفَعُونَ مَنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ إِذَا كَانَتْ عَلَى رُؤُوسِ الْجَبَلِ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ عَلَى رُؤُوْسِهَا ، وَإِنَّا نَدْفَعُ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، يُخَالِفُ هَدْيُنَا هَدْيَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالشِّرْكِ"، فَإِنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ .
فَصْلٌ: ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى مِنًى وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ، كَسَيْرِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ ، حَتَّى إِذَا صَارَ مِنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ دَابَّتَهُ قَدْرَ رَمْيِهِ بِحَجَرٍ: لِرِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَأَفَاضَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ ، فَلَمَّا بَلَغَ وَادِيَ مُحَسِّرٍ أَوْضَعَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: وَالْإِيضَاعُ سَيْرُ الْإِبِلِ إِذَا سَارَتْ لِلْخَبَبِ ، يُقَالُ لَهُ الْإِيضَاعُ ، قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا أُعْطِيتُ رَاحِلَةً وَرَحْلًا وَلَمْ أُوضِعْ فَقَامَ عَلَيَّ نَاعِي فَلَمَّا أَوْضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِسِعَةِ الْمَكَانِ وَهُبُوطِ الرَّاحِلَةِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا ، فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَوْضَعُوا بِمَثَابَةِ نَدْبٍ