سِوَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ لَا يَلْزَمُ بِالشَّرْعِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَخَلَهَا حَلَالًا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ؛ وَلِأَنَّهُ مِمَّنْ أُسْقِطَ فَرْضُ نُسُكِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَدْخُلَهَا حَلَالًا كَالْحَطَّابِينَ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَهُ فَيَ الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْحَجِّ ، أَنَّ الْإِحْرَامَ لِدُخُولِهَا وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [ الْمَائِدَةِ: ] ، يَعْنِي: قَاصِدِينَ ، فَمَنَعَ مِنَ الْعُدُولِ عَنْ قَصْدِ الْبَيْتِ لِمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ ، وَحَظَرَ تَحْلِيلَ ذَلِكَ بِتَرْكِهِ ، وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [ الْبَقَرَةِ: ] . وَالْمَثَابَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ بِالنُّسُكِ قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: مُثَابٌ لِأَفْنَاءِ الْقَبَائِلِ كُلِّهَا تَخُبُّ إِلَيْهِ الْيَعْمُلَاتُ الذَوَامِلُ وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبِي إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَا يَدْخُلْهَا أَحَدٌ إِلَّا مُحْرِمًا وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلَهَا حَلَالًا: أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي"فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْإِحْلَالِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ دُخُولَ مَكَّةَ أَوِ الْمَشْيَ إِلَى الْبَيْتِ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِهَا بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ ، فَلَوْ جَازَ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِذَا نَذَرَ دُخُولَهَا أَنْ يُحْرِمَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ فِي النُّذُرِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ فِي الدُّخُولِ ؛ وَلِأَنَّ مَكَّةَ لَمَّا اخْتُصَّتْ بِالنُّسُكَيْنِ وَالْقِبْلَةِ تَشْرِيفًا لَهَا ، وَحُرِّمَ قَتْلُ صَيْدِهَا ، وَقَطْعُ شَجَرِهَا لِعِظَمِ حُرْمَتِهَا ، اخْتُصَّتْ بِالْإِحْرَامِ لِدُخُولِهَا مُبَايَنَةً لِغَيْرِهَا ، وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ يَسْتَوِي حُكْمُ الْقَادِمِ إِلَيْهَا مِنْ دُونِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ مِنْ وَرَائِهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ قَدِمَ مِنْ دُونِ الْمَوَاقِيتِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ ، وَإِنْ قَدِمَ مِنْ وَرَائِهَا لَزِمَهُ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ: لِأَنَّ الْإِحْرَامَ تَحِيَّةٌ لِتَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ الْقَادِمِ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ وَوَرَائِهَا فِي وُجُوبِهَا وَاسْتِحْبَابِهَا ."
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِحْرَامَ لِدُخُولِهَا وَاجِبٌ ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُ عِنْدَ دُخُولِهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي شُهُورِ الْحَجِّ أَوْ فِي غَيْرِ شُهُورِ الْحَجِّ ، فَإِنْ دَخَلَ فِي شُهُورِ الْحَجِّ فهل يجب عليه الإحرام عند دخول مكة كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَهَا مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، فَإِنْ أَحْرَمَ لِدُخُولِهَا إِحْرَامًا مَوْقُوفًا ، كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، وَإِنْ دَخَلَ فِي غَيْرِ شُهُورِ الْحَجِّ فهل يجب عليه الإحرام لدخول مكة صَرَفَ إِحْرَامَهُ إِلَى عُمْرَةٍ ، وَلَمْ يَجُزْ صَرْفُ إِحْرَامِهِ إِلَى الْحَجِّ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ شُهُورِ الْحَجِّ لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ فِيهِ بِالْحَجِّ ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ كَانَ عُمْرَةً ، وَتَحَلَّلَ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحِلَاقِ ، فَلَا أَحْرَمَ لِدُخُولِهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ إِحْرَامًا مَوْقُوفًا وَدَخَلَهَا مُحْرِمًا ، وَلَمْ يَصْرِفْ إِحْرَامَهُ إِلَى الْعُمْرَةِ حَتَّى دَخَلَتْ شُهُورُ الْحِجِّ فَأَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ إِحْرَامَهُ إِلَى الْحَجِّ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَقَعُ مَوْقُوفًا: لِأَنَّ اتِّفَاقَ الْإِحْرَامِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا جَازَ أَنْ يَتَرَدَّدَ بَيْنَ أَنْ يُصْرَفَ إِلَى حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، وَإِحْرَامُهُ فِي غَيْرِ أَشْهَرَ