قِيلَ عَنْ هَذَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: لَوْ جَازَ أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَجَازَ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي غَيْرِهِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ حُكْمُهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَدْ أَوْجَبُوا فِي الْأَرْنَبِ عِنَاقًا وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةً ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ قِيمَةُ الصَّيْدِ فِي عِنَاقٍ وَلَا جَفْرَةٍ وَإِنَّمَا تُصْرَفُ فِيمَا يَجُوزُ أُضْحِيَةً ( وْجَبَ أَنْ يَتَنَوَّعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ ، وَنَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ ) . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ حَكَمُوا بِالْمِثْلِ ، وَلَمْ يَحْكُمُوا بِالْقِيمَةِ . وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَكْفِيرُ قَتْلٍ بِحَيَوَانٍ فَوَجَبَ أَلَّا تُعْتَبَرَ فِيهِ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ مِنَ الْحَيَوَانِ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّينَ: وَلِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ بِحَيَوَانٍ وَجَبَ بِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ ، فَوَجَبَ أَلَّا تُعْتَبَرَ فِيهِ الْقِيمَةُ كَكَفَّارَةِ الْأَذَى وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الدِّمَاءِ: وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ الْمَضْمُونَةَ بِالْإِتْلَافِ حَقَّانِ: حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَحَقٌّ لِآدَمِيٍّ . فَلَمَّا كَانَ حَقُّ الْآدَمِيِّ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ ، وَنَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ ، وَجَبَ أَنْ يَتَنَوَّعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ ، وَنَوْعٌ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ . وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ قِيَاسًا أَنَّهُ أَحَدُ جِنْسَيْ مَا يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَوَّعَ ضَمَانُهُ نَوْعَيْنِ: مِثْلًا وَقِيمَةً كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ . الْجَوَابُ: أَمَّا اسْتِدْلَالُهُمُ الْأَوَّلُ مِنَ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمِثْلَ إِمَّا أَنَّهُ يَكُونُ فِي الصُّورَةِ وَالْجِنْسِ ، أَوْ فِي الْقِيمَةِ . فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْمِثْلَ إِذَا وَرَدَ مُطْلَقًا حُمِلَ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ ، فَأَمَّا إِذَا وَرَدَ مُقَيَّدًا فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى تَقْيِيدِهِ ، وَقَدْ قَيَّدَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمُ الثَّانِي مِنَ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمِثْلَ فِي الصُّورَةِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ وَعَدْلَيْنِ: لِأَنَّهُ يُدْرَكُ بِالْمُشَاهَدَةِ ، وَإِنَّمَا تَفْتَقِرُ إِلَى ذَلِكَ الْقِيمَةُ . فَالْجَوَابُ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْمِثْلِ فِي النَّعَمِ أَخْفَى مِنَ الْاجْتِهَادِ فِي الْقِيمَةِ: لِأَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ يَعْرِفُهَا سُوقَةُ النَّاسِ وَعَوَامُّهُمْ ، وَالْمِثْلُ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ خَوَاصُّهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ ؟ فَكَانَ بِاجْتِهَادِ عَدْلَيْنِ أَوْلَى . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمُ الثَّالِثُ مِنَ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْجَزَاءَ بِالْمِثْلِ رَاجِعٌ إِلَى جَمِيعِ الصَّيْدِ ، فَلَمَّا أُرِيدَ بِبَعْضِهِ الْقِيمَةُ دُونَ الْمِثْلِ وَهُوَ مَا لَا مِثْلَ لَهُ ، فَكَذَلِكَ مَا لَهُ مِثْلٌ .