فهرس الكتاب

الصفحة 1780 من 8432

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ فِيهِ الْجَزَاءَ: لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا: وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِلْحَرَمِ لَا لِلشَّجَرِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا أَنْبَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَرَمِ وَبَيْنَ مَا نَقَلَهُ الْآدَمِيُّونَ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ حَلَالًا صَادَ مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا وَأَطْلَقَهُ فِي الْحَرَمِ كَانَ كَصَيْدِ الْحَرَمِ: لِحُرْمَةِ الْمَكَانِ ؟ فَكَذَلِكَ الشَّجَرُ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا إِذَا قَلَعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَغَرَسَهُ فِي الْحِلِّ فَإِنْ مَاتَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَإِنْ نَبَتَ وَجَبَ عَلَيْهِ نَقْلُهُ إِلَى الْحَرَمِ وَغَرْسُهُ فِيهِ ، فَإِنْ نَقْلَهُ وَغَرْسَهُ وَنَبَتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ مَاتَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ أَخَذَ صَيْدًا مِنَ الْحَرَمِ وَأَطْلَقَهُ فِي الْحِلِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّهُ إِلَى الْحَرَمِ ، فَهَلَّا كَانَ الشَّجَرُ كَذَلِكَ: قِيلَ: لِأَنَّ الصَّيْدَ يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْحَرَمِ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّجَرُ ، فَلَوْ قَطَعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ ، وَغَرَسَهُ فِي الْحَرَمِ ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَنْبُتْ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ، وَإِنْ نَبْتَ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَقْلُهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَكَانِ الَّذِي جُعِلَ فِيهِ كَحُرْمَةِ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ ، فَلَوْ قَطَعَ مِنَ الْحَرَمِ شَجَرًا مَيِّتًا فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ اسْتَهْلَكَهُ أَوْ تَرَكَهُ: لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ فِي إِتْلَافِ مَا كَانَ نَامِيًا ، وَالشَّجَرُ الْمَيِّتُ لَيْسَ بِنَامٍ ، فَلَا جَزَاءَ فِيهِ كَالصَّيْدِ الْمَيِّتِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا النَّبَاتُ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّونَ ، كَالْبُقُولِ وَالْحُبُوبِ وَسَائِرِ الْخَضْرَاوَاتِ نبات الحرم ، فَحُكْمُهُ فِي الْحَرَمِ كَحُكْمِهِ فِي الْحِلِّ ، مُبَاحٌ لِمَالِكِهِ وَمَحْظُورٌ عَلَى غَيْرِ مَالِكِهِ ، وَلَا جَزَاءَ فِي جَزِّهِ وَلَا قَطْعِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَنْبُتُ فِي الْمَوَاتِ مِنْ غَيْرِ زِرَاعَةِ آدَمِيٍّ نبات الحرم ، فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ إِذْخِرَ ، فَيَجُوزُ أَخْذُهُ وَجَزُّهُ وَقَلْعُهُ: لِقَوْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: الْإِذْخِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لِسَقْفِهِمْ وَلِقَيْنِهِمْ فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ دَوَاءً كَالسَّنَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، فَأَخْذُهُ جَائِزٌ وَلَا شَيْءَ فِيهِ: لِأَنَّهُ لَمَّا أَبَاحَ أَخْذَ الْإِذْخِرِ لِمَنْفَعَتِهِ فَكَذَلِكَ الدَّوَاءُ لِحُصُولِ الِانْتِفَاعِ بِهِ . وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا كَانَ شَوْكًا ، كَالْعَوْسَجِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، فَقَلْعُهُ مُبَاحٌ وَلَا شَيْءَ فِي إِتْلَافِهِ: لِأَنَّهُ مُؤْذٍ فَشَابَهَ الْبَهَائِمَ الْمُؤْذِيَةَ الَّتِي لَا جَزَاءَ فِي قَتْلِهَا كَالسِّبَاعِ وَغَيْرِهَا . وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: مَا كَانَ حَثِيثًا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْلَعَ وَلَا أَنْ يُقْطَعَ: لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا يُخْتَلَى خَلَاؤُهَا ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ تَرْعَاهُ الْبَهَائِمُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُمْنَعُ الْبَهَائِمُ مِنْ رَعْيِهِ: لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) رَأَى أَعْرَابِيًّا يَعْلِفُ رَاحِلَتَهُ فَمَنَعَهُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ: لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَلَا يُخْتَلَى خَلَاؤُهَا إِلَّا لِعَلْفِ دَوَابٍّ ، وَلِأَنَّ فِي امْتِنَاعِ أَهْلِ الْحَرَمِ مِنْ رَعْيِهِ إِضْرَارٌ بِمَوَاشِيهِمْ ، وَضِيقٌ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت