أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ: إِنَّ فِيهِ شَاةً ؛ لِأَنَّهَا إِذَا وَجَبَتْ فِي الْحَمَامِ الَّذِي هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا فَأَوْلَى أَنْ يَجِبَ فِيهَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ: إِنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ: لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ ، وَأَكْثَرَ لَحْمًا مِنْهُ ، فَالْحَمَامُ أَشْرَفُ مِنْهُ وَأَكْثَرُ ثَمَنًا ؟ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِلْفِ وَالْهَدِيرِ وَالصَّوْتِ الْمُسْتَحْسَنِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّشْوِيقِ إِلَيْهِ ، حَتَّى ذَكَرَتِ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهَا ، فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْهُمْ: أَحِنُّ إِذَا حَمَامَةُ بَطْنِ وَجٍّ تَغَنَّتْ فَوْقَ مَرْقَبَةٍ حَنِينًا وَقَالَ آخَرُ: وَقَفْتُ عَلَى الرَّسْمِ الْمُحِيلِ فَهَاجَنِي بُكَاءُ حَمَامَاتٍ عَلَى الرَّسْمِ وُقَّعُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: الْحَمَامُ نَاسُ الطَّائِرِ ، أَيْ: يَعْقِلُ عَقْلَ النَّاسِ ، فَلَمَّا اخْتُصَّ الْحَمَامُ بِهَذَا وَمَايَزَ مَا سِوَاهُ وَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ فِي الْجَزَاءِ بِوُجُوبِ الشَّاةِ مُبَايَنَةً لِمَا سِوَاهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَكَذَلِكَ الدَّجَاجُ الْحَبَشِيُّ فِيهِ الْجَزَاءُ قتله في الحرم: لِأَنَّهُ وَإِنْ تَأَنَّسَ فَهُوَ وَحْشُ الْأَصْلِ ، كَالْغَزَالِ الَّذِي قَدْ يَتَأَنَّسُ ، وَإِنْ كَانَ وَحْشِيًّا . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَطَائِرُ الْمَاءِ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ قتله في الحرم ، وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ: لِأَنَّهُ وَإِنْ رَعَى فِي الْمَاءِ فَالْبَرُّ مَأْوَاهُ ، وَفِيهِ يُفْرِخُ ، فَأَمَّا الْإِوَزُّ فَمَا نَهَضَ مِنْهُ طَائِرًا بِجَنَاحِهِ فَهُوَ صَيْدٌ قتله في الحرم يُضْمَنُ بِالْجَزَاءِ ، وَمَا لَمْ يَنْهَضْ مِنْهُ طَائِرًا بِجَنَاحِهِ فَلَيْسَ بِصَيْدٍ ، كَالْبَطِّ ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ ، كَمَا لَا جَزَاءَ فِي الدَّجَاجِ ، فَأَمَّا الْحَمَامُ الْأَهْلِيُّ الَّذِي يُسَمَّى الدَّاعِي قتله في الحرم ، وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي الْمَنَازِلِ مُسْتَأْنَسًا ، فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَمَامِ: لِانْطِلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا جَزَاءَ فِيهِ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَنِيسٌ كَالدَّجَاجِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، أَوْ قِيمَةَ مَا كَانَ دُونَ الْحَمَامِ قَوْلًا وَاحِدًا ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَقْتَ قَتْلِهِ ، ثُمَّ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ وَقْتَ قَتْلِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ وَقْتَ قَتْلِهِ فِي مَكَّةَ: لِأَنَّهَا مَحِلُّ الْهَدْيِ دُونَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَهَذَا إِذَا أُصِيبَ بِمَكَّةَ أَوْ أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ قَالَ عَطَاءٌ فِي الْقُمْرِيِّ وَالدُّبْسِيِّ شَاةٌ ( قَالَ ) وَكُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ فَهُوَ حَمَامٌ وَفِيهِ شَاةٌ وَمَا سِوَاهُ مِنَ الطَّيْرِ فِفِيهِ قِيمَتُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ".