قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الشِّيَاعُ دُعَاءُ الدَّاعِي ، أَيْ: يُتَابِعُ بَيْتَهُ فِي الطَّيَرَانِ: لِأَنَّهُ مَنَعَ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَيَأْتَلِفُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَايَعَ كَمَا تُشَايَعُ الْغَنَمُ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَبَّهَا أَنْ يُطْعِمَهَا لَحْمًا لَا دَمَ فِيهِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ لَا دَمَ فِيهِ ، فَأَطْعَمَهَا الْجَرَادَ ، وَلَيْسَ فِي صَيْدِ الْبَرِّ لَحْمٌ لَا دَمَ فِيهِ سِوَى الْجَرَادِ . وَالثَّانِي: قَوْلُ مَرْيَمَ: اللَّهُمَّ أَعِشْهُ بِغَيْرِ رَضَاعٍ ، وَتَابِعْ بَيْتَهُ بِغَيْرِ شِيَاعٍ ، فَدَعَتْ رَبَّهَا أَنْ يَخُصَّهُ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَخْصُوصًا ، فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ دَعْوَتِهَا يَعِيشُ بِرِضَاعٍ ، وَلَا يَجْتَمِعُ بِغَيْرِ شِيَاعٍ ، وَذَلِكَ"مِنْ صِفَاتِ صَيْدِ الْبَرِّ: وَلِأَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ: مَا كَانَ عَيْشُهُ فِي الْبَحْرِ ، وَعَيْشُ الْجَرَادِ فِي الْبَرِّ ، وَمَوْتُهُ فِي الْبَحْرِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ دُونَ الْبَحْرِ ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا وَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [ الْمَائِدَةِ: ] ، وَرَوَى يُوسُفُ بْنُ مَاهِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَقْبَلَ مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي أُنَاسٍ مُحْرِمِينَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِغَمْرَةَ ، حَتَى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ، وَكَعْبٌ عَلَى نَارٍ يَصْطَلِي مَرَّ بِهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ ، فَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ فَقَتَلَهُمَا وَنَسِيَ إِحْرَامَهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ إِحْرَامَهُ فَأَلْقَاهُمَا ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَصَّ كَعْبٌ قِصَّةَ الْجَرَادَتَيْنِ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ ، قَالَ: دِرْهَمَيْنِ ، قَالَ عُمَرُ: بَخٍ دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ جَرَادَةٍ ، فَدَلَّ حَدِيثُ كَعْبٍ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ، وَأَنَّ قَاتِلَ الصَّيْدِ نَاسِيًا كَالْعَامِدِ حال الإحرام ، وَأَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ ، وَأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ وَأَنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ: لِأَنَّهُ صَيْدٌ مَأْكُولٌ يَأْوِي الْبَرَّ . فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ كَسَائِرِ الْقُيُودِ ، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْخَبَرِ فَضَعِيفٌ: لِأَنَّ أَبَا الْمُهَزِّمِ مَجْهُولٌ ، وَأَمَّا جَوَازُ أَكْلِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَمْنَعُ مِنَ اخْتِلَافِ حُكْمِهَا فِي الْحَيَاةِ ."
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ: لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ ، فَإِنَّ قَتْلَ جَرَادَةٍ فِي الْحَرَمِ ، أَوْ فِي الْإِحْرَامِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْإِمْلَاءِ: عَلَيْهِ تَمْرَةٌ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ تَمْرَةٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَقَلَّ مِنْ تَمْرَةٍ أَحْبَبْتُ أَلَّا تَنْقُصَ عَنْ تَمْرَةٍ: لِأَنَّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَبِيحٌ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ جَرَادًا كَثِيرًا احْتَاطَ حَتَّى يَعْلَمَ قَدْرَهُ فَتَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ طَعَامًا أَوْ تَمْرًا يَتَصَدَّقُ بِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَالدَّبَاءُ جَرَادٌ صِغَارٌ ، فَفِي الدَّبَاةِ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ تَمْرَةٍ قتله حال الإحرام إِنْ شَاءَ الَّذِي يَفْدِيهِ أَوْ لُقَيْمَةٍ صَغِيرَةٍ وَمَا فَدَاهُ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَإِذَا كَسَرَ بَيْضَ الْجَرَادِ حال الإحرام فَدَاهُ ، وَمَا فَدَا بِهِ كُلَّ