فهرس الكتاب

الصفحة 1838 من 8432

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَا تَعَيَّنَ إِيجَابُهُ بِالنَّذْرِ هل يجوز بيعه ؟ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ ، انْتَقَلَ الْكَلَامُ إِلَى مَا يَصِيرُ بِهِ وَاجِبًا هدي النذر ؛ وَذَلِكَ ضَرْبَانِ: إِمَّا أَنْ يُوجِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ أَوْ بِنِيَّتِهِ ، فَإِنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ فَقَدْ وَجَبَ سَوَاءٌ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ أَمْ لَا وَإِيجَابُهُ بِالْقَوْلِ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ هَذِهِ الْبَدَنَةَ ، وَإِنْ أَوْجَبَهُ بِنِيِّتِهِ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ هَذِهِ الْبَدَنَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ _ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ غَيْرُ النِّيَّةِ فَحَسْبُ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَلِّدَ وَيُشْعِرَ أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُقَلَّدُ وَلَا يُشْعَرُ ، فَهَذَا غَيْرُ وَاجِبٍ وَهُوَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ لَا يَلْزَمُهُ هَدْيُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ الْمُخْرَجَةَ فِي الْقُرَبِ لَا تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالضَّحَايَا وَالْعِتْقِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَضُمَّ إِلَى نِيَّتِهِ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ هَدْيَ هَذِهِ الْبَدَنَةِ وَيُقَلِّدَهَا وَيُشْعِرَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِإِيجَابِهَا ، فَفِيهَا قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ ؛ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: إِنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا: لِأَنَّ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ مَعَ النِّيَّةِ عِلْمٌ ظَاهِرٌ كَالْقَوْلِ فَوَجَبَتْ بِهِ كَمَا تَجِبُ بِالْقَوْلِ فَهَذَا حُكْمُ الْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ .

فَصْلٌ: فَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ هدي النذر فَضَرْبَانِ: مُطْلَقٌ ، وَمُقَيَّدٌ . فَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ كَذَا ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ مَا سَمَّاهُ سَوَاءٌ جَازَ أُضْحِيَةً أَمْ لَا حَتَّى لَوْ سَمَّى بَيْضَةً لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهَا ، فَإِنْ نَوَى هَدْيَ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ قَوْلًا وَاحِدًا . وَأَمَّا الْمُطْلَقُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أُهْدِيَ هَدْيًا وَيُطْلِقَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَهُ فِي شَيْءٍ وَلَا يُقَيِّدَهُ لِشَيْءٍ ، فَفِيمَا يَلْزَمُهُ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ ؛ قَالَهُ فِي كِتَابِ"النُّذُورِ"أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَجُوزُ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ النَّعَمِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ مِنْ كَثِيرٍ حَتَّى لَوْ أَهْدَى بَيْضَةً أَوْ تَمْرَةً أَجْزَأَهُ: لَأَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ يَنْطَلِقُ عَلَى النَّعَمِ وَغَيْرِ النَّعَمِ لُغَةً وَشَرْعًا . أَمَّا اللُّغَةُ: فَلِأَنَّ الْهَدْيَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْهَدِيَّةِ ، وَالْهَدِيَّةُ لَا تَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ دُونَ غَيْرِهَا ، وَأَمَّا الشَّرْعُ ؛ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [ الْمَائِدَةِ: ] ، وَقَدْ يَجِبُ فِي الْجَزَاءِ مَا لَا يَجُوزُ أُضْحِيَةً وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى هَدْيًا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ: وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت