فهرس الكتاب

الصفحة 1858 من 8432

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بِغَيْرِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَقْتَضِي جَوَازَ كُلِّ بَيْعٍ مِنْ غَرَرٍ ، وَمَعْدُومٍ ، وَغَيْرِهِ . وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ حكمه ، وَالْمُلَامَسَةِ حكم بيعها ، وَالْمُنَابَذَةِ حكم بيعها ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَصَارَتِ السُّنَّةُ مُعَارِضَةً لَهَا ، فَوَقَعَ الْإِجْمَالُ فِيهَا بِغَيْرِهَا . فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، أَوْ بِغَيْرِهَا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ وَقَعَ الْإِجْمَالُ فِي صِيغَةِ لَفْظِهَا وَفِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهَا ؟ أَوْ وَقَعَ الْإِجْمَالُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهَا دُونَ صِيغَةِ لَفْظِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِجْمَالَ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ: لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ ، اسْمٌ لُغَوِيٌّ لَمْ يَرِدْ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ ، وَمَعْنَاهُ مَعْقُولٌ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَامَ بِإِزَائِهِ مَا يُعَارِضُهُ تَدَافَعَ الْعُمُومَانِ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْمُرَادُ مِنْهُمَا إِلَّا بِالسُّنَّةِ ، صَارَا مُجْمَلَيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى ، لِأَنَّ اللَّفْظَ مُشْكِلُ الْمَعْنَى . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّفْظَ مُجْمَلٌ ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ بِهِ مُشْكِلٌ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَصَارَ مُضَمَّنًا بِشَرَائِطَ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً فِي اللُّغَةِ ، خَرَجَ اللَّفْظُ بِالشَّرَائِطِ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ إِلَى مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ شَرَائِطُ الشَّرْعِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مَعْقُولَةٌ ، كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ: إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ: لِأَنَّهَا مُضَمَّنَةٌ بِشَرَائِطَ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةٌ فِي اللُّغَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَعَانٍ مَعْقُولَةٌ فِي اللُّغَةِ كَالْخُضُوعِ ، وَمَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ ، فَكَذَلِكَ لَفَظُ الْبَيْعِ . وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعٍ مِنْ فَسَادِهِ ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى إِبَاحَةِ الْبَيْعِ فِي أَصْلِهِ . وَهَذَا فَرْقٌ مَا بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْمُجْمَلِ ، حَيْثُ جَازَ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرَةِ الْعُمُومِ ، وَلَمْ يَجُزِ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ الْمُجْمَلِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ: وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِمَا جَمِيعًا ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عُمُومًا دَخَلَهُ الْخُصُوصُ ، وَمُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ ، لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِمَا . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَجْهِ دُخُولِ ذَلِكَ فِيهِمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعُمُومَ فِي اللَّفْظِ وَالْإِجْمَالُ فِي الْمَعْنَى . فَيَكُونُ اللَّفْظُ عُمُومًا دَخَلَهُ الْخُصُوصُ ، وَالْمَعْنَى مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعُمُومَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَالْإِجْمَالُ فِي آخِرِهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحَرَّمَ الرِّبَا فَيَكُونُ أَوَّلُ الْآيَةِ عَامًّا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ ، وَآخِرُهَا مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت