فهرس الكتاب

الصفحة 1882 من 8432

قَالُوا: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى افْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَعْهُودُ الِافْتِرَاقِ فِي الشَّرْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [ النِّسَاءِ: ] يَعْنِي: بِالطَّلَاقِ وَالطَّلَاقُ كَلَامٌ . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً"يَعْنِي: فِي الْمَذَاهِبِ . وَالثَّانِي: أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْكَلَامِ حَقِيقَةٌ ، وَعَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ مَجَازٌ: لِأَنَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ ، وَهُمَا يُسَمَّيَانِ فِي حَالِ الْعَقْدِ مُتَبَايِعَيْنِ حَقِيقَةً ، وَبَعْدَ الْعَقْدِ مَجَازًا ، كَمَا يُقَالُ: ضَارِبٌ ، فَيُسَمَّى بِذَلِكَ فِي حَالِ الضَّرْبِ حَقِيقَةً ، وَبَعْدَ الضَّرْبِ مَجَازًا ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّفَرُّقُ بِالْكَلَامِ دُونَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ . فَالْجَوَابُ عَنْهُ: دَلِيلٌ ، وَانْفِصَالٌ . فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ دُونَ الْكَلَامِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّفَرُّقَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنِ اجْتِمَاعٍ ، فَإِذَا تَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ بَعْدَ الْبَيْعِ ، كَانَ تَفَرُّقًا عَنِ اجْتِمَاعٍ فِي الْقَوْلِ حِينَ الْعَقْدِ وَعَنِ اجْتِمَاعٍ بِالْأَبْدَانِ . وَلَا يَصِحُّ تَفَرُّقُهُمَا بِالْكَلَامِ ، لِأَنَّهُمَا حَالَ التَّسَاوُمِ مُفْتَرِقَانِ ، لِأَنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ: لَا أَبِيعُ إِلَّا بِكَذَا ، وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: لَا أَشْتَرِي إِلَّا بِكَذَا . فَإِذَا تَبَايَعَا فَقَدِ اجْتَمَعَا فِي الْقَوْلِ بَعْدَ أَنْ كَانَا مُفْتَرِقَيْنِ فِيهِ . وَهَذِهِ دَلَالَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ . وَالثَّانِي: أَنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ بَذْلِ الْبَائِعِ وَقَبْلَ قَبُولِهِ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ ، إِذْ لَوْ سَقَطَ خِيَارُهُ بِبَذْلِ الْبَائِعِ لَوَجَبَتِ الْبِيَاعَاتُ جَبْرًا بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ بَعْدَ اخْتِيَارٍ ، وَلَأَفْضَى الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى ضَرَرٍ وَفَسَادٍ ، وَالْخِيَارُ بَعْدَ الْبَيْعِ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ إِلَّا بِالْخَبَرِ ، فَكَانَ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى مَا لَمْ يُسْتَفَدْ إِلَّا مِنْهُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا اسْتُفِيدَ بِالْإِجْمَاعِ ، لِأَنْ لَا يَعْرَى الْخَبَرُ مِنْ فَائِدَةٍ . وَهَذِهِ دَلَالَةُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا وَرَدَ ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ ، وَكَانَ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا بِالْإِجْمَاعِ لَا هُمَا مَعًا ، وَلَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ تَمْيِيزُ الْمُرَادِ مِنْهُمَا ، كَانَ مَا صَارَ إِلَيْهِ الرَّاوِي هُوَ الْمُرَادَ بِهِ دُونَ الْآخَرِ ، فَلَمَّا كَانَ الِافْتِرَاقُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الِافْتِرَاقُ بِالْكَلَامِ مَعَ بُعْدِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِافْتِرَاقَ بِالْأَبْدَانِ مَعَ ظُهُورِهِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو بَرْزَةَ ، وَهُمَا مِنْ رُوَاةِ الْخَبَرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت