فهرس الكتاب

الصفحة 1884 من 8432

عَلَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ سَاغَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى وَهَنٍ وَضَعْفٍ ، فَلَيْسَ يَسُوغُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ: لِأَنَّ النَّصَّ يَدْفَعُهُ مِنْ قَوْلِهِ: أَوْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ ، فَإِنَّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ . وَأَمَّا الِانْفِصَالُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْخِيَارِ حِينَ التَّسَاوُمِ حَقِيقَةٌ ، وَبَعْدَ الْعَقْدِ مَجَازٌ: فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَمْلَهُ عَلَيْهَا وَقْتَ التَّسَاوُمِ مَجَازٌ: وَبَعْدَ الْعَقْدِ حَقِيقَةٌ لُغَةً وَشَرْعًا: فَأَمَّا اللُّغَةُ: فَلِأَنَّ الْبَيْعَ مُشْتَقٌّ مِنْ فِعْلٍ ، وَالْأَسْمَاءُ الْمُشْتَقَّةُ مِنَ الْأَفْعَالِ لَا تَنْطَلِقُ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْأَفْعَالِ ، كَالضَّارِبِ وَالْقَاتِلِ: لَا يَتَنَاوَلُ الْمُسَمَّى بِهِ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ ، كَذَلِكَ الْبَائِعُ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيْعِ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْبَيْعِ مِنْهُ ، وَالْبَيْعُ إِنَّمَا يُوجَدُ بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَأَمَّا حِينَ التَّسَاوُمِ فَلَا . فَأَمَّا الشَّرْعُ ، فَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ حكم العتق في هذه الحالة لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ بِالْمُسَاوَمَةِ ، فَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ عَتَقَ عَلَيْهِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا بَاعَهُ بَيْعًا لَا خِيَارَ فِيهِ ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَائِعًا بَعْدَ الْعَقْدِ ، وَقَدْ زَالَ مِلْكُهُ بِالْعَقْدِ ، وَانْقَطَعَ خِيَارُهُ ، فَلَمْ يُعْتِقْ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدُ . وَالثَّانِي: أَنَّ تَسْمِيَتَنَا لَهُ بَائِعًا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْبَيْعِ ، إِنْ كَانَ مَجَازًا مِنْ حَيْثُ يُقَالُ: كَانَا مُتَبَايِعَيْنِ ، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ وَقْتَ التَّسَاوُمِ مَجَازٌ أَيْضًا حَتَّى يُوجَدَ الْقَبُولُ ، وَإِلَّا فَيُقَالُ: سَيَكُونَانِ مُتَبَايِعَيْنِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا فِيهِمَا جَمِيعًا ، كَانَ مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْمَ وَإِنِ انْطَلَقَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ مَجَازًا ، فَقَدِ اسْتَقَرَّ بِوُجُودِ الْبَيْعِ ، وَهُوَ قَبْلَ الْعَقْدِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، لِجَوَازِ أَنْ لَا يَتِمَّ الْبَيْعُ . وَالثَّانِي: أَنَّ اسْمَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ ، كَالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ ، فَلَا يُوجَدُ الْمُشْتَرِي إِلَّا فِي مُقَابَلَةِ الْبَائِعِ ، وَلَا يُوجَدُ الْبَائِعُ إِلَّا فِي مُقَابَلَةِ الْمُشْتَرِي ، فَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ بَعْدَ الْبَذْلِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ يُسَمَّى بَائِعًا ، لَجَازَ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ قَبْلَ الْقَبُولِ يُسَمَّى مُشْتَرِيًا ، فَلَمَّا لَمَّ يُسَمَّ الطَّالِبُ مُشْتَرِيًا إِلَّا بَعْدَ الْقَبُولِ ، لَمْ يُسَمَّ الْبَاذِلُ بَائِعًا إِلَّا بَعْدَ الْقَبُولِ . عَلَى أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ إِنَّمَا يُسَوَّغُ مَعَ وِهَايَةٍ فِي قَوْلِهِ:"الْمُتَبَايِعَانِ"فَأَمَّا فِي قَوْلِهِ"الْبَيِّعَانِ"فَلَا يُسَوَّغُ فِيهِ . فَنَسْتَعْمِلُ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَنَحْمِلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ مَعْنَيَيْنِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا . فَبَطَلَ هَذَا التَّأْوِيلُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلِيلِ وَالِانْفِصَالِ ، وَاسْتَقَرَّ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ فِي أَدِلَّةِ الْأَخْبَارِ . فَأَمَّا الْمَعْنَى النَّظَرِيُّ فَهُوَ أَنَّهُ خِيَارٌ وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ حُكْمُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ ، أَصْلُهُ خِيَارُ الثَّلَاثِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت