وَالدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . وَالطَّعَامُ اسْمٌ لِكُلِّ مَطْعُومٍ مِنْ بُرٍّ وَغَيْرِهِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ . أَمَّا اللُّغَةُ فَكَقَوْلِهِمْ طَعِمْتُ الشَّيْءَ أَطْعَمُهُ وَأَطْعَمْتُ فُلَانًا كَذَا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مَطْعُومًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُرًّا . وَأَمَّا الشَّرْعُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [ آلِ عِمْرَانَ: ] يَعْنِي كُلَّ مَطْعُومٍ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الطَّعَامِ . وَقَوْلُهُ: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [ الْبَقَرَةِ: ] فَسَمَّى الْمَاءَ مَطْعُومًا لِأَنَّهُ مِمَّا يُطْعَمُ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: عِشْنَا دَهْرًا وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ . وَإِذَا كَانَ اسْمُ الطَّعَامِ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ شَوَاهِدِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَطْعُومٍ مِنْ بُرٍّ وَغَيْرِهِ . كَانَ نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مَطْعُومٍ إِلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ . فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَمَخْصُوصٌ بِبَيَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرِّبَا فِي الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ . قِيلَ: بَيَانُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعُمُومُ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا: لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ ، وَإِنْ شَذَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَجَعَلَهُ تَخْصِيصًا . وَالدَّلَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَى الْبُرِّ وَهُوَ أَعْلَى الْمَطْعُومَاتِ ، وَعَلَى الْمِلْحِ وَهُوَ أَدْنَى الْمَطْعُومَاتِ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا لَاحِقٌ بِأَحَدِهِمَا . لِأَنَّهُ يَنُصُّ تَارَةً عَلَى الْأَعْلَى لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى الْأَدْنَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى الْأَدْنَى . وَيَنُصُّ تَارَةً عَلَى الْأَدْنَى لِيُنَبِّهَ عَلَى الْأَعْلَى كَمَا قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى الْأَعْلَى ، فَإِذَا وَرَدَ النَّصُّ عَلَى الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى كَانَ أَوْكَدَ تَنْبِيهًا عَلَى مَا بَيْنَهُمَا ، وَأَقْوَى شَاهِدًا فِي لُحُوقِهِ بِأَحَدِهِمَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . مَسْأَلَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَقِيسَ الْوَزْنَ عَلَى الْوَزْنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ: لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مأكُولَيْنِ وَمُبَايِنَانِ لِمَا سِوَاهُمَا ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا رِبَا إِلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ ( قَالَ ) وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَلَوْ قِسْنَا عَلَيْهِمَا الْوَزْنَ لَزِمَنَا أَنْ لَا نُسَلِّمَ دِينَارًا فِي مَوْزُونٍ مِنْ طَعَامٍ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ نُسْلِّمَ دِينَارًا فِي مَوْزُونٍ مِنْ وَرِقٍ ، وَلَا أَعَلَمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتِلَافًا أنَ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ يُسَلَّمَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يُسَلَّمُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ غَيْرَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُسَلَّمَ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ فِي فُلُوسٍ ، وَهُوَ عِنْدَنَا جَائِزٌ: لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَلَا فِي تِبْرِهَا ، وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِثَمِنٍ لِلْأَشْيَاءِ الْمُتْلَفَةِ وَإِنَّمَا أَنْظُرُ فِي التِّبْرِ إِلَى أَصْلِهِ وَالنُّحَاسِ مِمَّا لَا رِبَا فِيهِ وَقَدْ أَجَازَ عَدَدٌ مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ السَّلَفَ فِي الْفُلُوسِ"