فهرس الكتاب

الصفحة 1985 من 8432

وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّشَا بِالْحِنْطَةِ وَلَا بِالنَّشَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَى .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"وَإِذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ بِأَعْيَانِهِمَا إِذَا تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَانَا فِي مَعْنًى مَنْ لَمْ يُبَايِعْ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ سِلْعَةٍ بَاعَهَا فَهَلَكَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ فَمِنَ مَالِ بَائِعِهَا: لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا فَلَمَّا هَلَكَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ ثَمَنِهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ . إِذَا تَلِفَتِ السِّلْعَةُ الْمَبِيعَةُ فِي يَدِ بَائِعِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي حكم البيع في هذه الحالة لَهَا بَطَلَ الْبَيْعُ ، وَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ، وَاسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي اسْتِرْجَاعَ الثَّمَنَ سَوَاءٌ بَذَلَهَا الْبَائِعُ فَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهَا ، أَوْ طَلَبَهَا الْمُشْتَرِي فَامْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ إِقْبَاضِهَا . هَذَا مَذْهَبُنَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ . وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِتَلَفِهَا ، وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهَا . فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ طَلَبَهَا مِنَ الْبَائِعِ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ ، ضَمِنَهَا الْبَائِعُ بِالْقِيمَةِ كَالْغَاصِبِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُشْتَرِي طَلَبَهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْبَائِعِ كَالْمُودِعِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ بَذَلَهَا لِلْمُشْتَرِي فَامْتَنَعَ مِنْ قَبْضِهَا لَمْ يَبْطُلِ الْبَيْعُ بِتَلَفِهَا ، وَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ ، وَإِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا لِلْمُشْتَرِي حَتَّى هَلَكَتْ بَطَلَ الْبَيْعُ ، وَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْبَائِعِ ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَمْضَى الْبَيْعَ مَعَ تَلَفِهَا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:"الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ". فَجَعَلَ الْخَرَاجَ مِلْكًا لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، فَلَمَّا كَانَ الْخَرَاجُ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ . وَقَدْ يَتَحَرَّرُ دَلِيلُ هَذَا الْخَبَرِ قِيَاسًا فَيُقَالُ: لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَلَكَ الْمُشْتَرِي خَرَاجَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ ضَمَانٌ كَالْمَقْبُوضِ . وَلِأَنَّ ضَمَانَ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ الثَّمَنِ ، فَلَمَّا كَانَ الثَّمَنُ الْمَبِيعُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ . وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْقَبْضَ مُوجِبًا لِتَمَامِ الْعَقْدِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [ الْبَقَرَةِ: ] فَجَعَلَ الْمَقْبُوضَ مِمَّا قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمِلْكُ ، فَلَمْ يُوجِبِ اسْتِرْجَاعَهُ ، وَمَا لَيْسَ بِمَقْبُوضٍ مِمَّا لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَأَوْجَبَ رَدَّهُ ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ عُقُودَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا تَقَابَضُوهَا ، مُمْضَاةٌ ، وَإِنْ عُقِدَتْ فَاسِدَةً . فَلَمَّا كَانَ الْقَبْضُ مُوجِبًا لِاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ ، وَعَدَمُ الْقَبْضِ مَانِعًا مِنِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ . اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَا تَلِفَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ وَيَبْطُلُ عَقْدَهُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت