فهرس الكتاب

الصفحة 1988 من 8432

وَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالْعَقْدِ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ فِي الأثمان وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ فِيهِ مُبْطِلًا لِذَلِكَ الْعَقْدِ كَالسَّلَمِ . فَلَمَّا كَانَ اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ فِي الْأَثْمَانِ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ . وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ ، فَلَمَّا كَانَ الثَّمَنُ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: مُعَيَّنٌ وَهُوَ الْبَيْعُ ، وَغَيْرُ مُعَيَّنٍ وَهُوَ السَّلَمُ ، اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَيْضًا يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: مُعَيَّنٌ بِالْإِشَارَةِ وَغَيْرُ مُعَيَّنٍ بِالْإِطْلَاقِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ احْتِجَاجِهِ بِقَوْلِ الْفَرَّاءِ ، فَهُوَ أَنَّ الثَّمَنَ قَدْ يَكُونُ تَارَةً ذَهَبًا وَوَرِقًا ، وَيَكُونُ تَارَةً عُرُوضًا وَسِلَعًا . فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ فِي الْعُرُوضِ وَالسِّلَعِ مُبْطِلًا لِتَعْيِينِهَا ، جَازَ أَلَّا يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مُبْطِلًا لِتَعْيِينِهَا . عَلَى أَنَّ التَّعْيِينَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِيهِ حُجَّةً . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَثْمَانِ الْمُطْلَقَةِ اعْتِبَارًا بِغَالِبِ أَحْوَالِ التُّجَّارِ فِي بِيَاعَاتِهِمْ ، وَعُرْفِهِمُ الْجَارِي فِي تِجَارَاتِهِمْ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ مَا جَازَ إِطْلَاقُ ذِكْرِهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ ، فَهُوَ أَنَّ إِطْلَاقَ ذِكْرِهِ إِنَّمَا جَازَ: لِأَنَّ فِيهِ نَقْدًا غَالِبًا وَعُرْفًا مُعْتَبَرًا ، وَلَوْ كَانَ فِي جِنْسٍ مِنَ الْعُرُوضِ نَوْعٌ غَالِبٌ وَعُرْفٌ مُعْتَبَرٌ ، جَازَ إِطْلَاقُ ذِكْرِهِ كَالنُّقُودِ ، وَلَوْ كَانَتِ النُّقُودُ مُخْتَلِفَةً لَمْ يَجُزْ إِطْلَاقُ ذِكْرِهَا كَالْعُرُوضِ: لِأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَيَصِيرُ مَعْلُومًا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إِمَّا بِالْإِشَارَةِ ، وَإِمَّا بِالصِّفَةِ ، وَإِمَّا بِالْعُرْفِ . سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّ تَعْيِينَ النُّقُودِ غَيْرُ مُفِيدٍ ، فَجَرَى مَجْرَى تَعْيِينِ الْمِيزَانِ وَالْوَزَّانِ اللَّذَيْنِ لَمَّا لَمْ يُفِيدَا لَمْ يَتَعَيَّنَا بِالْعَقْدِ . فَهُوَ أَنَّ فِي تَعْيِينِ النُّقُودِ لِلنَّاسِ أَغْرَاضًا صَحِيحَةً ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْفَائِدَةِ فِيهَا يَمْنَعُ مِنْ تَعْيِينِهَا بِالْعَقْدِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ تَعْيِينِهَا بِالْقَبْضِ أَوْ فِي الْغَصْبِ . فَأَمَّا الْمِيزَانُ وَالْوَزَّانُ فَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مِقْدَارَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِخِلَافِ النُّقُودِ الْمَمْلُوكَةِ بِالْعَقْدِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:"فَإِنْ وَجَدَ بِالدَّنَانِيرِ أَوِ الدَّرَاهِمِ عَيْبًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ ؛ إِنْ شَاءَ حَبَسَ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ ، سَوَاءٌ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ حَبَسَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ نَقَضَ الْبَيْعَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الصَّرْفَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعَيَّنٌ ، وَفِي الذِّمَّةِ . فَأَمَّا مَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَيَأْتِي مِنْ بَعْدُ . وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَصُورَتُهُ من صور الصرف المعين أَنْ يَقُولَ: قَدْ بِعْتُكَ هَذِهِ الْعَشْرَةَ دَنَانِيرَ بِعَيْنِهَا بِهَذِهِ الْمِائَةِ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهَا . فَيَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَفْعَ مَا تَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ . فَلَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الدَّنَانِيرَ بِعَيْنِهَا فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً ، لَمْ يَخْلُ حَالُ عَيْبِهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت