فهرس الكتاب

الصفحة 2015 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا التَّأْبِيرُ للثمرة: حقيقته فَهُوَ التَّلْقِيحُ ، وَالتَّلْقِيحُ هُوَ أَنْ يُشَقَّقَ طَلْعُ الْإِنَاثِ ، وَيُوضَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ طَلْعِ الْفُحُولِ: لِيَشْتَدَّ بِرَائِحَتِهِ وَيَقْوَى ، فَلَا يَلْحَقُهُ الْفَسَادُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، وَصَحَّتْ فِيهِ التَّجْرِبَةُ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ رَأَى الْأَنْصَارَ يُؤَبِّرُونَ النَّخْلَ ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرُوهُ بِهِ ، فَقَالَ: لَوْ تَرَكُوهَا لَصَلُحَتْ ، فَتَرَكُوهَا فَتَغَيَّرَتْ . فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ:"مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَإِلَيْكُمْ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَإِلَيَّ". فَلَوْ تَشَقَّقَ طَلْعُ الْإِنَاثِ ، وَلَمْ يُلَقَّحْ بِطَلْعِ الْفُحُولِ صَحَّ التَّأْبِيرُ ، وَخَرَجَتْ مِنَ الْعَقْدِ: لِأَنَّ التَّلْقِيحَ رُبَّمَا تُرِكَ فَصَلُحَتِ الثَّمَرَةُ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَنْوَاعِ النَّخْلِ مَا يَكُونُ تَرْكُ تَلْقِيحِهِ أَصْلَحَ لِثَمَرَتِهِ . فَلَوْ لَمْ يَتَشَقَّقِ الطَّلْعُ بِنَفْسِهِ لَكِنْ شَقَّقَهُ أَرْبَابُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْإِدْرَاكِ وَزَمَانِ الْحَاجَةِ كَانَ تَأْبِيرًا ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ وَفِي غَيْرِ زَمَانِ الْحَاجَةِ لَمْ يَكُنْ تَأْبِيرًا .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَإِنْ كَانَ فِيهَا فُحُولُ نَخْلٍ بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ الْإِنَاثُ ، فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ ، وَهِيَ قَبْلَ الْإِبَارِ وَبَعْدَهُ فِي الْبَيْعِ فِي مَعْنَى مَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ ذَاتِ حَمْلٍ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنَ الْبَهَائِمِ بِيعَتْ فَحَمْلُهَا تَبَعٌ لَهَا كَعُضْوٍ مِنْهَا: لِأَنَّهُ لَمْ يُزَايِلْهَا ، فَإِنْ بِيعَتْ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ ، فَالْوَلَدُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ طَلْعَ الْفُحُولِ إِذَا تَشَقَّقَ كَانَ مُؤَبَّرًا ، وَقَبْلَ تَشَقُّقِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَكُونُ مُؤَبَّرًا كَطَلْعِ الْإِنَاثِ . وَالثَّانِي: يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمُؤَبَّرِ لِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْغَالِبِ طَلْعًا . فَإِذَا تَبَايَعَا نَخْلًا فِيهَا فُحُولٌ وَإِنَاثٌ ، فَإِنْ أَبَّرَ طَلْعَ الْإِنَاثِ كَانَ طَلْعُ الْفُحُولِ تَبَعًا لَهُ سَوَاءٌ تَشَقَّقَ أَوْ لَمَ يَتَشَقَّقْ . وَلَوْ أَبَّرَ طَلْعَ الْفُحُولِ إِمَّا بِالتَّشَقُّقِ أَوْ بِظُهُورِ الطَّلْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَلَمْ يُؤَبَّرْ شَيْءٌ مِنْ طَلْعِ الْإِنَاثِ ، فَهَلْ يَصِيرُ طَلْعُ الْإِنَاثِ تَبَعًا لَهُ فِي التَّأْبِيرِ حَتَّى يُحْكَمَ بِجَمِيعِهِ لِلْبَائِعِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ طَلْعُ الْإِنَاثِ تَبَعًا لِطَلْعِ الْفُحُولِ فِي التَّأْبِيرِ ، كَمَا صَارَ طَلْعُ الْفُحُولِ تَبَعًا لِطَلْعِ الْإِنَاثِ فِي التَّأْبِيرِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي ، وَهُوَ أَصَحُّ: أَنَّ طَلْعَ الْإِنَاثِ لَا يَتْبَعُ طَلْعَ الْفُحُولِ ، وَإِنْ كَانَ طَلْعُ الْفُحُولِ يَتْبَعُ طَلْعَ الْإِنَاثِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ مَقْصُودَ الثِّمَارِ هُوَ طَلْعُ الْإِنَاثِ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ بُسْرًا وَرَطْبًا وَتَمْرًا ، وَطَلْعُ الْفُحُولِ تَبَعٌ لَهُ: لِأَنَّهُ مُرَادٌ لِتَلْقِيحِهِ ، وَلَيْسَ يُقْصَدُ فِي نَفْسِهِ ، فَلِذَلِكَ صَارَ طَلْعُ الْفُحُولِ تَبَعًا لِطَلْعِ الْإِنَاثِ ، فِي التَّأْبِيرِ وَلَمْ يَصِرْ طَلْعُ الْإِنَاثِ تَبَعًا لَهُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت