فَصْلٌ: فَلَوْ حَلَّ لَهُ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ وَحَلَّ عَلَيْهِ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ ، فَقَالَ لِمَنْ لَهُ الطَّعَامُ: اقْبِضْ مِمَّنْ لِي عَلَيْهِ الطَّعَامَ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ اقْبِضْهُ لِي ثُمَّ خُذْهُ لِنَفْسِكَ بِذَلِكَ الْكَيْلِ فَيَكُونُ الْقَبْضُ لَهُ صَحِيحًا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهُ الْقَابِضُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ الْكَيْلِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ كَيْلَهُ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ لَهُ زِيَادَتُهُ الْمُحْتَمَلَةُ ، وَعَلَيْهِ نُقْصَانُهُ الْمُحْتَمَلُ ، ثُمَّ هُوَ قَبْلَ اسْتِيثَاقِ كَيْلِهِ مَضْمُونٌ عَلَى قَابِضِهِ: لِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ عَنْ قَبْضٍ فَاسِدٍ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ اقْبِضْ مِمَّنْ لِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِنَفْسِكَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا لِهَذَا الَّذِي اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ . وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَبْرَأَ مِنْهُ ذِمَّةُ مَنْ كَانَ الطَّعَامُ عَلَيْهِ: عَلَى وَجْهَيْنِ خَرَّجَهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ الْقَبْضُ الْأَوَّلُ وَتَبْرَأُ مِنْهُ ذِمَّةُ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ: لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَنْ إِذْنِ مُسْتَحَقِّهِ وَيَكُونُ الْقَبْضُ الثَّانِي فَاسِدًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ كِلَا الْقَبْضَيْنِ فَاسِدٌ: لِأَنَّ الْقَبْضَ لَمْ يَكُنْ لِمُسْتَحَقِّهِ ، لَكِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْآخَرِ: لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَنْ إِذْنِهِ وَمَضْمُونٌ عَلَى قَابِضِهِ: لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَهُ مِنْ حَقِّهِ أَوْ يَسْتَأْنِفَانِ كَيْلَيْنِ كَيْلًا لِلْأَوَّلِ ، وَكَيْلًا لِلثَّانِي فَمَا زَادَ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ أَوْ نَقَصَ ، فَفِي حَقِّ الدَّافِعِ وَمَا زَادَ بِالْكَيْلِ فِي الثَّانِي أَوْ نَقَصَ ، فَفِي حَقِّ الْآمِرِ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَلَا يَقْبِضُ الَّذِي لَهُ طَعَامٌ مِنْ طَعَامٍ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ: لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَكِيلًا لِنَفْسِهِ مُسْتَوْفِيًا لَهَا قَابِضًا مِنْهَا". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِيمَنْ حَلَّ عَلَيْهِ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ فَدَفَعَ إِلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ دَرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا ، فَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا لِنَفْسِهِ وَيَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ - أَعْنِي لِدَافِعِ الدَّرَاهِمِ - ثُمَّ يَأْخُذُ بِالْكَيْلِ الَّذِي قَدِ اكْتَالَهُ ، فَهَذَا الشَّرْطُ جَائِزٌ ، وَالْقَبْضُ صَحِيحٌ لِلدَّافِعِ: لِأَنَّهُ ابْتَاعَ وَقَبَضَ عَنْ وِكَالَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الطَّعَامَ لِنَفْسِهِ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ كَيْلَهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِذَلِكَ الْكَيْلِ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِقَبْضٍ فَاسِدٍ . وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ لِنَفْسِهِ - أَعْنِي لِدَافِعِ الدَّرَاهِمِ - وَيَقْبِضُهُ الْوَكِيلُ لِنَفْسِهِ بَدَلًا مِنْ طَعَامِهِ فَالشِّرَاءُ جَائِزٌ أَيْضًا لِلدَّافِعِ الْمُوَكِّلِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقْبِضَهُ الْوَكِيلُ لِنَفْسِهِ ، وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَقْبُوضًا لِلدَّافِعِ الْمُوَكِّلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ . وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْمُرَهُ بِالشِّرَاءِ لِيَكُونَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ حَتَّى يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ بَدَلًا مِنْ طَعَامِهِ ، فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ: لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ بِمَالِ غَيْرِهِ ، فَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ بِتِلْكَ