ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ ، وَهُوَ أَنَّ بَقَاءَ مِلْكِ الْبَائِعِ لَا يُوجِبُ إِبَاحَةَ الِاسْتِمْتَاعِ ، فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَ لَكَانَ الْمِلْكُ بَاقِيًا وَالِاسْتِمْتَاعُ مُحَرَّمًا ، وَإِرَادَةُ الْبَيْعِ لَا تُوجِبُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُوجِبَ تَحْرِيمَ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَلِأَنَّ الْأَمَةَ مَوْطُوءَةٌ فِي مِلْكٍ فَاقْتَضَى أَنْ يَجِبَ اسْتِبْرَاؤُهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ كَالزَّوْجَةِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ بِأَنَّ الْحُرَّةَ لَمَّا وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ اقْتَضَى أَنْ يَجِبَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ قَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ ، فَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْبَتِّيُّ لَا يَصِحُّ: لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّبْيِ وَالْإِرْثِ ، وَالْوَصِيَّةِ ، فَلَوْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا الْمُشْتَرِي أَفْضَى إِلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَسْبَابِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالتَّزْوِيجِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَادُ إِلَّا لِلِاسْتِمْتَاعِ ، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَنْ تَحِلُّ فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ الِاسْتِبْرَاءُ ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مُعْتَدَّةٍ وَلَا مُرْتَدَّةٍ وَلَا مَجُوسِيَّةٍ وَلَا وَثَنِيَّةٍ وَلَا مُحَرَّمَةٍ بِالرَّضَاعِ وَلَا الْمُصَاهَرَةِ . وَالْبَيْعُ يُرَادُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَصَحَّ الْبَيْعُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ: وَلِهَذَا صَحَّ فِي هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ الْحَسَنِ فَإِنَّهُمَا مَاءَانِ فَوَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِبْرَاءُ مَائِهِ ، فَهُوَ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِمَاءٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الْبَائِعُ السَّالِفُ دُونَ الْمُشْتَرِي الْآنِفِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْحُرَّةِ أَغْلَظُ مِنَ اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ: لِأَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ ، وَالْأَمَةُ بِقَرْءٍ وَاحِدٍ ، فَلَمَّا وَجَبَ عَلَى الْحُرَّةِ وَاحِدٌ مَعَ تَغْلِيظِ حَالِهَا فَالْأَمَةُ مَعَ خِفَّةٍ أَمْرِهَا أَوْلَى أَنْ يَلْزَمَهَا اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ يَجِبُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ ، فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَسَلَّمَهَا لِيَكُونَ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى يَدِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ جَمِيلَةً أَوْ قَبِيحَةً . وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَجَبَ أَنْ تُوضَعَ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ ، وَإِنْ كَانَتْ قَبِيحَةً جَازَ أَنْ تُسْتَبْرَأَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي: لِأَنَّ الْجَمِيلَةَ تَدْعُو الشَّهْوَةُ إِلَيْهَا فَلَا يُؤْمَنُ مِنَ الْمُشْتَرِي أَنْ تَغْلِبَهُ الشَّهْوَةُ عَلَى وَطْئِهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْقَبِيحَةُ . وَدَلِيلُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْغَانِمِينَ بِالِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ حُصُولِ السَّبْيِ بِأَيْدِيهِمْ فَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي . وَلِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِاسْتِحْدَاثِ مِلْكٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَالْقَبِيحَةِ الْوَحْشَةِ كَانَ اسْتِبْرَاؤُهَا عِنْدَ الْمَالِكِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ إِذَا مُلِكَتْ بِهِ الْقَبِيحَةُ كَانَ اسْتِبْرَاؤُهَا عِنْدَ الْمَالِكِ فَوَجَبَ إِذَا مُلِكَتْ بِهِ الْجَمِيلَةُ أَنْ يَكُونَ اسْتِبْرَاؤُهَا عِنْدَ الْمَالِكِ كَالسَّبْيِ ، فَإِنَّ مَالِكًا يُوَافِقُ عَلَيْهِ . وَلِأَنَّهُ سَلَّمَ مَا لَزِمَهُ مِنَ الثَّمَنِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ تَسْلِيمَ الْمُثَمَّنِ كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ السَّلَمُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ الْمُثَمَّنِ . وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ مَنْعُ الْمُشْتَرِي مِنْهَا حَتَّى تَسْتَبْرِئَ لَبَطَلَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ لَزِمَ فِيهِ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ وَهَذَا بَاطِلٌ .