فهرس الكتاب

الصفحة 2162 من 8432

وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: إِنْ كَانَ شَرْطًا وَاحِدًا صَحَّ الْعَقْدُ وَلَزِمَهُ الشَّرْطُ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ شَرْطٍ بَطَلَ الْبَيْعُ . وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ شَرْطُ الْبَائِعِ مِنْ مَنَافِعِ الْمَبِيعِ يَسِيرًا ، كَسُكْنَى يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ صَحَّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ ، وَإِنْ كَثُرَ بَطَلَ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ بِحَدِيثِ بَرِيرَة أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا أَرَادَتْ شِرَاءَهَا مَنَعَ مَوَالِيهَا إِلَّا بِأَنْ تَشْتَرِطَ لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اشْتَرِي وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ ، فَاشْتَرَتْهَا ، فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّرْطَ ، وَأَمْضَى الْبَيْعَ ، وَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَلَوْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لَمَنْ أَعْتَقَ . وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ ؛ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ . وَهَذَا النَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ: وَلِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي . فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْبَائِعِ فَقَدْ مَنَعَتْهُ مِنِ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَى الثَّمَنِ ، وَأَدَّتْ إِلَى جَهَالَةٍ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَدْ مَنَعَتْهُ مِنْ تَمَامِ مِلْكِهِ لِلْمَبِيعِ ، وَأَضْعَفَتْ تَصَرُّفَهُ فِيهِ ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا . وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَ مِنْهُ بَعِيرًا بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ ، وَقَالَ: لَكَ ظَهْرُهُ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَدِينَةَ". قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَقْدِهِ شَرْطًا فَاسِدًا ، فَدَلَّهُ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ . فَأَمَّا اسْتِدْلَالُ مَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فَفِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شَرْطٌ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ . وَالثَّانِي: لَمْ يَكُنْ ذَاكَ مَعَ جَابِرٍ بَيْعًا مَقْصُودًا: لِرِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ الثَّمَنَ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْجَمَلَ ، وَقَالَ:"أَتُرَانِي إِنَّمَا مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُمَا لَكَ"؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ مَنْفَعَتَهُ لَا مُبَايَعَتَهُ . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ مَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ بِحَدِيثِ بَرِيرَة ، فَإِنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَة وَهُوَ الَّذِي اخْتَصَّ بِقَوْلِهِ: وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْهُ . عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ ؛ أَيْ: عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَهُمُ اللَّعْنَةُ [ الرَّعْدِ: ] أَيْ: عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ . وَقِيلَ: إِنَّ الشَّرْطَ إِنَّمَا كَانَ فِي الْعِتْقِ لَا فِي الْبَيْعِ ، عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ بِهَذَا الشَّرْطِ إِبْطَالَ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ لَتَقَرُّرِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فَكَانَ حُكْمُهُ مَخْصُوصًا . وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْحَاقُ مِنْ إِجَازَةِ شَرْطٍ وَاحِدٍ وَإِبْطَالِ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَا وَجْهَ لَهُ: لِأَنَّهُ إِنْ جَرَى مَجْرَى الشُّرُوطِ الْجَائِزَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا وَاحِدًا وَكَذَا الْقَوْلُ لِمَالِكٍ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت