فهرس الكتاب

الصفحة 2174 من 8432

أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ: لِدَنَاءَتِهِ ، وَاتِّبَاعِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي فِعْلِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ: لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ مِمَّا تَحْرُمُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَصِحُّ أَخْذُ الْبَدَلِ عَنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَمِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ أمثلة لها عِنْدَنَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ وَبَيْعُ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَالْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَالطَّيْرِ وَالْحُوتِ قَبْلَ أَنْ يُصْطَادَا ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ . أَمَّا بَيْعُ الْغَرَرِ حكمه فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ عَقْدِ الْغَرَرِ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْغَرَرِ . رَوَاهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ تَارَةً مُرْسَلًا ، وَتَارَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا . وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا . وَحَقِيقَةُ الْغَرَرِ: مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ جَوَازَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ الْأَغْلَبُ مِنْهُمَا أَخْوَفْهُمَا ، فَمِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ الَّتِي يَبْطُلُ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ بَيْعٌ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، وَبَيْعُ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَالْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَالطَّيْرِ وَالْحُوتِ قَبْلَ أَنْ يُصْطَادَا . فَذَكَرَ هَذِهِ الْخَمْسَةَ مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ وَأَبْطَلَ الْعَقْدَ عَلَيْهَا . وَنَحْنُ نَشْرَحُ الْقَوْلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا . أَمَّا قَوْلُهُ: وَمِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ عِنْدَنَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ سِلْعَةً لَا يَمْلِكُهَا بَيْعًا عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ مَالِكِهَا ، ثُمَّ يَمْضِي فَيَبْتَاعُهَا وَيَدْفَعُهَا إِلَى مُشْتَرِيهَا ، وَهَذَا بَيْعٌ بَاطِلٌ ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا: لِوُرُودِ النَّهْيِ نَصًّا فِيهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بَعْدَ قُدُومِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُسْلِمًا:"لَمْ يَبْلُغْنِي يَا حَكِيمُ أَنَّكَ تَبِيعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ . لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ". فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا ، حَتَّى يُجَوِّزَ قَوْمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَجَعَلُوهُ دَلِيلًا فِي إِبْطَالِ السَّلَمِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، بَلِ الْمَقْصُودُ بِهِ مَا ذَكَرْنَا . وَقَدْ رُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِمِثْلِ مَا قُلْنَا عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَيْضًا . وَرَوَى يُوسُفُ بْنُ مَاهَك ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ، فَقَالَ:"لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: وَمِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ عِنْدَنَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ ، فَإِنَّ أَصَحَّ الْقَوْلَيْنِ مَنْ مَذْهَبُهُ بُطْلَانُ أَصْلِ الْبَيْعِ فِيهَا: لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَبَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ غَرَرٌ . وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا الْقَوْلِ بَيْعَ مِلْكِ الْغَيْرِ عَلَى إِجَازَتِهِ: لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدُ ، وَاحْتَجَّ عَلَى مُخَالِفِيهِ فِيهِ". فَصْلٌ: وَأَمَّا بَيْعُ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَبَاطِلٌ: لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ . وَلِمَا رُوِيَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت