وَرَوَى وَائِلَةُ بْنُ عَامِرٍ ، أَوْ عَامِرُ بْنُ وَائِلَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لَا تَبِعْ مَا لَا تَمْلِكُ". وَهَذَا نَصٌّ . وَلِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَنْقُلُ مِلْكًا عَنِ الْبَائِعِ إِلَى مَالِكٍ هُوَ الْمُشْتَرِي ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُشْتَرِي مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَجْدِيدِ مِلْكِهِ ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْبَائِعِ لِمَا فِيهِ مِنِ انْتِزَاعِ مِلْكِهِ . وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ قِيَاسًا أَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيِ الْبَيْعِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْإِجَازَةِ كَالْمُشْتَرِي ، فَإِنْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّمَا لَمْ يَجُزْ وُقُوفُ الشِّرَاءِ: لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَاقِدُ فَلَمْ يُوقِفْ عَلَى غَيْرِهِ ، وَجَازَ وُقُوفُ الْبَيْعِ: لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْعَاقِدُ فَوَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ . فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ الْعَاقِدَ لَمْ يَتَوَلَّ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا تَوَلَّاهُ لِغَيْرِهِ . وَأَقْوَى أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ كَالْوَكِيلِ فِي الشِّرَاءِ ، وَالْوَكِيلُ لَا يَمْلِكُ مَا اشْتَرَاهُ لِمُوَكِّلِهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهُ: لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْعَبْدِ فِي الشِّرَاءِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ ، وَتَوْكِيلُ الرَّجُلِ فِي شِرَاءِ أَبِيهِ يَجُوزُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَوْ مَلَكَهُ لَعُتِقَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُلَ مِلْكَهُ إِلَى مُوَكِّلِهِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فِيمَنْ صَحَّتْ وَكَالَتُهُ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، فَمَنْ لَمْ تَصِحَّ وَكَالَتُهُ . وَيَدُلُّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا أَنَّهُ بِيعَ بِغَيْرِ رِضَى مَنْ يَلْزَمُ الْعَقْدُ رِضَاهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا كَبَيْعِ الْمُكْرَهِ . وَلِأَنَّهُ بِيعَ عَنْ لَا قُدْرَةَ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى إِيقَاعِ قَبْضٍ فِيهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا كَبَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالْحُوتِ فِي الْمَاءِ . وَلِأَنَّ نُفُوذَ الْبَيْعِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مِلْكٍ ، وَعَنْ إِذْنِ مَنْ لَهُ الْمِلْكُ ، فَلَمَّا كَانَ لَوْ عَقَدَ عَلَى غَيْرِ مِلْكٍ كَالْخَمْرِ ثُمَّ صَارَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مِلْكًا بِأَنْ صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ ، وَجَبَ إِذَا عَقَدَ عَنْ غَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ فَلَمْ يَنْفُذِ الْعَقْدُ ، ثُمَّ أَذِنَ الْمَالِكُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْعَقْدُ . وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّهُ عَقْدُ بَيْعٍ لَمْ يَنْفُذْ عِنْدَ عَقْدِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْفُذَ مِنْ بَعْدِهِ أَصْلُهُ مَا ذَكَرْنَا فِي بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ إِذَا صَارَ مِلْكًا . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ ، فَهُوَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يَلْزَمُنَا الْقَوْلُ بِهِ ، وَلَوْ صِرْنَا إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الشِّرَاءِ الَّذِي لَا يَصِحُّ وُقُوفُهُ عِنْدَهُمْ ، وَالْبَيْعُ الَّذِي لَا يَصِحُّ وُقُوفُهُ عِنْدَنَا ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالثَّنَاءُ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِمُخَالَفَتِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ إِذْنِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَيَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَى رَأْيِهِ فَرَأَى مَا فَعَلَهُ فَكَانَ مَأْذُونًا فِيهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ اشْتَرَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَاعَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ اشْتَرَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً عَنْ إِذْنِهِ الْمُتَقَدَّمِ . أَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْوَصَايَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ: لِأَنَّ حُكْمَ الْوَصَايَا أَوْسَعُ وَحُكْمَ الْعُقُودِ أَضْيَقُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَبُولَ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى التَّرَاخِي فَجَازَ أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجَازَةِ ، وَالْقَبُولُ فِي الْبُيُوعِ عَلَى الْفَوْرِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجَازَةِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مُحَابَاةِ الْمَرِيضِ فَلَا يَصِحُّ . لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَعْنَى فِي جَوَازِ وَقْفِ الْوَصَايَا عَلَى الْإِجَازَةِ ، فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ .