فهرس الكتاب

الصفحة 2233 من 8432

وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّهُ فِعْلُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ وَلَا إِنْكَارٍ ، فَهَذَا إِنَّمَا يَفْعَلُهُ جُهَّالُ النَّاسِ وَأَرْذَالُهُمْ ، فَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمْ حُجَّةً عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ . عَلَى أَنَّ مَا ظَهَرَ مِنَ الْأَفْعَالِ لَا يَدُلُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الِاعْتِقَادِ: لِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ يُعْطَونَ أُجْرَةَ الْمُعَلِّمِ ، يَفْعَلُهُ الْعَالِمُ الْفَاضِلُ ، وَيَأْخُذُهُ الْعَالِمُ الْفَاضِلُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ فِي جَوَازِ أَخْذِ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ ، فَكَيْفَ يَجْعَلُ هَاهُنَا فِعْلُ جُهَّالِ النَّاسِ حُجَّةً عَلَيْنَا . وَأَمَّا قِيَاسُهُ بِعِلَّةٍ أَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ فَمُنْتَقِضٌ بِالْحُرِّ ، وَالْوَقْفِ ، وَأُمِّ الْوَلَدِ ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ . فَهَذَا الْكَلَامُ فِيمَا كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ . وَأَمَّا مَا طَرَأَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ وَجَاوَرَتْهُ فَنَجِسَ بِهَا ؛ حكم طهارته فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: ضَرْبٌ يَصِحُّ غَسْلُهُ ، وَضَرْبٌ لَا يَصِحُّ غَسْلُهُ ، وَضَرْبٌ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّةِ غَسْلِهِ . فَأَمَّا مَا يَصِحُّ غَسْلُهُ كَالثِّيَابِ وَالْأَوَانِي وَالْحُبُوبِ وَجَمِيعِ النَّجَاسَاتِ الَّتِي لَا تَذُوبُ بِمُلَاقَاةِ الْمَاءِ فَغَسْلُهُ مِنَ النَّجَاسَةِ مُمْكِنٌ ، وَبَيْعُهُ قَبْلَ غَسْلِهِ جَائِزٌ: لِأَنَّ الْعَيْنَ طَاهِرَةٌ ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا مُمْكِنٌ ، وَإِزَالَةُ مَا جَاوَرَهَا مِنَ النَّجَاسَةِ مُتَأَتٍّ . وَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ غَسْلُهُ كَالسُّكَّرِ وَالْعَسَلِ وَالدُّهْنِ وَسَائِرِ مَا إِذَا لَاقَاهُ الْمَاءُ ذَابَ فِيهِ ، وَالْخَلُّ ، فَغَسْلُهُ لَا يُمْكِنُ وَبَيْعُهُ مَعَ نَجَاسَتِهِ بَاطِلٌ ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ فِي بُطْلَانِ الْبَيْعِ حُكْمُ مَا كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ . وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِي صِحَّةِ غَسْلِهِ: فَالْأَدْهَانُ كُلُّهَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ غَسْلِهَا . فَمَذْهَبَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ غَسْلَهَا لَا يَجُوزُ وَلَا يُمْكِنُ ، وَبَيْعُهَا إِذَا نَجِسَتْ بَاطِلٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: غَسْلُهَا مُمْكِنٌ ، وَبَيْعُهَا قَبْلَ الْغَسْلِ جَائِزٌ: اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ يُمْكِنُ إِزَالَتُهَا فَجَازَ بَيْعُهَا مَعَهَا كَالثَّوْبِ . وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ فَجَازَ بَيْعُهُ كَالدُّهْنِ الطَّاهِرِ . وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْفَأرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا ، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَأَرِيقُوهُ . فَلَوْ جَازَ بَيْعُهُ لَمَنَعَ مِنْ إِرَاقَتِهِ فَصَارَ كَالْخَمْرِ الْمَأْمُورِ بِإِرَاقَتِهِ . وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّهُ مَائِعٌ نَجِسٌ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْخَمْرِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الطَّاهِرِ فَلَا يَصِحُّ: لِاخْتِلَافِهِمَا فِيمَا يَمْنَعُ مِنْ تَسَاوِي حُكْمِهِمَا . فَأَمَّا ادِّعَاؤُهُمْ إِمْكَانَ الْغُسْلِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ ؛ لِتَعَذُّرِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت