الْمَاءِ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ ، فَكَانَتِ الطَّهَارَةُ بِهِ عَامَّةً فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ دُونَ رَفْعِ الْحَدَثِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَمَّا بَطَلَ التَّيَمُّمُ بِالْحَدَثِ الطَّارِئِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِهِ مُحْدِثًا ، فَهُوَ أَنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِمْ فَيُقَالُ: لَوْ أَنَّ جُنُبًا تَيَمَّمَ لِجَنَابَتِهِ ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ وَوَجَدَ الْمَاءَ لَزِمَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ ، فَلَوْ كَانَ التَّيَمُّمُ رَافِعًا لِحَدَثِهِ لَكَانَ حُكْمُ الْجَنَابَةِ سَاقِطًا وَلَزِمَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ: لِمَا طَرَأَ مِنْ حَدَثِهِ ، وَفِي ذَلِكَ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى بَقَاءِ الْحَدَثِ الْأَوَّلِ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ ، ثُمَّ يُقَالُ إِنَّمَا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِالْحَدَثِ الطَّارِئِ وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا لِأَنَّ التَّيَمُّمَ تُبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ بِالْحَدَثِ الْأَوَّلِ لَا بِالْحَدَثِ الطَّارِئِ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، وَأَنَّ النِّيَّةَ فِيهِ وَاجِبَةٌ فَلَهُ فِي نِيَّتِهِ سِتَّةُ أَحْوَالٍ المتيمم: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ بتيممه فما حكم التيمم فَتَيَمُّمُهُ بَاطِلٌ بِهِ: لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إِذَا كَانَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَهَذِهِ النِّيَّةُ مُخَالِفَةٌ لِحُكْمِهِ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهَا وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يُجْزِئُهُ تَيَمُّمُهُ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ بِرَفْعِ الْحَدَثِ إِنَّمَا هُوَ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ . وَالتَّيَمُّمُ مُبِيحٌ لِلصَّلَاةِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعِ الْحَدَثُ . وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: يَنْوِي اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةَ بتيممه فما حكم ذلك للنوافل والفرائض ؟ . فَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِلنَّوَافِلِ وَلَا يَصِحُّ لِلْفَرَائِضِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ تُسْتَبَاحُ بِهِ النَّوَافِلُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ، وَلَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْفَرْضُ وحكمه للمتيمم إِلَّا بِتَعْيِينٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطُوفَ بِهِ لِأَنَّ الطَّوَافَ هل يجوز بالتيمم لَيْسَ بِصَلَاةٍ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيمَا نَوَى مِنِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ التيمم ، وهل يصح ؟ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ"فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ"فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِهَذَا التَّيَمُّمِ . وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا سُنَّةٌ ، جَازَ ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ بِهِ الْمُصْحَفَ ، وَيَقْرَأَ بِهِ الْقَرْآنَ إِنْ كَانَ جُنُبًا هل يجوز للمتيمم ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ: لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ . وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَنْوِيَ صَلَاةَ النَّافِلَةِ بتيممه فما حكم التيمم فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مِنَ النَّوَافِلِ مَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ مَحْصُورٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّي بِهِ الْفَرِيضَةَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا تَيَمَّمَ لِلنَّافِلَةِ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الْفَرِيضَةَ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ كُلَّ طَهَارَةٍ صَحَّ اسْتِبَاحَةُ النَّفْلِ بِهَا صَحَّ اسْتِبَاحَةُ الْفَرْضِ بِهَا كَالْوُضُوءِ: لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ صَحَّ فِعْلُهَا مِنَ الْمُتَوَضِّئِ صَحَّ فِعْلُهَا مِنَ الْمُتَيَمِّمِ كَالنَّفْلِ .