فهرس الكتاب

الصفحة 2469 من 8432

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي أَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ وَمَنَافِعَهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ ، فَقَدَّمَ الشَّافِعِيُّ سُكْنَى الدُّورِ وَزُرُوعَ الْأَرَضِينَ ، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ دَارًا فَلِلرَّاهِنِ حَالَاتٌ ، حَالٌ يُرِيدُ سُكْنَاهَا ، وَحَالٌ يُرِيدُ إِجَارَتَهَا ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْكُنَهَا فَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ سُكْنَاهَا مُدَّةَ الرَّهْنِ ، فَإِذَا حَلَّ الْحَقُّ بِيعَتْ فِيهِ . وَقَالَ فِي الرَّهْنِ الصَّغِيرِ وَالرَّهْنِ الْقَدِيمِ: يُمْنَعُ مِنْ سُكْنَاهَا إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْمُرْتَهِنُ ، وَقِيلَ: لَكَ أَنْ تُؤْجِرَهَا غَيْرَكَ ، وَلَا تَسْكُنَهَا بِنَفْسِكَ . فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُخَرِّجُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَقَالَ آخَرُونَ ؛ وَهَذَا الصَّحِيحُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَجَازَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْكُنَهَا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَغَيْرِ إِذْنِهِ إِذَا كَانَ ثِقَةً يُؤْمَنُ جُحُودُهُ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي مَنَعَ الرَّاهِنَ أَنْ يَسْكُنَهَا إِلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ إِذَا كَانَ مُتَّهَمًا لَا يُؤْمَنُ جُحُودُهُ ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ إِجَارَتَهَا فَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا مُدَّةَ الرَّهْنِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا ، مِثَالُهُ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ الرَّهْنِ وَأَجَلُ الْحَقِّ سَنَةً ، فَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا سَنَةً فَمَا دُونَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ ، فَإِنْ آجَرَهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ قَدْ آجَرَهَا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ صَحَّتِ الْإِجَارَةُ وَلَزِمَتْ ، وَإِنْ أَجَّرَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَفِي الْإِجَارَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: جَائِزَةٌ . وَالثَّانِي: غَيْرُ جَائِزَةٍ ، بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي بَيْعِ الدَّارِ الْمُؤَاجَرَةِ ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ بَيْعَ الدَّارِ الْمُؤَاجَرَةِ جَائِزٌ جَازَتِ الْمُؤَاجَرَةُ ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ بَيْعَ الدَّارِ الْمُؤَاجَرَةِ لَا يَجُوزُ لَمْ تَجُزِ الْإِجَارَةُ . فَإِذَا قُلْنَا إِنَّ الْإِجَارَةَ غَيْرُ جَائِزَةٍ فَهِيَ بَاطِلَةٌ فِيمَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ ، وَهَلْ تَبْطُلُ فِي السَّنَةِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ: لِأَنَّهُ عَقْدٌ قَدْ جَمَعَ جَائِزًا وَغَيْرَ جَائِزٍ . وَإِذَا قُلْنَا: الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُوكِسُ فِي ثَمَنِ الرَّهْنِ فَهِيَ لَازِمَةٌ فِي جَمِيعِ مُدَّتِهَا ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ الِاعْتِرَاضُ ، وَإِنْ كَانَتْ تُوكِسُ فِي ثَمَنِ الرَّهْنِ بَطَلَتِ الْإِجَارَةُ فِيمَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ ، وَهَلْ تَبْطُلُ فِي السَّنَةِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ الرَّاهِنُ مِمَّا يُوكِسُ فِي ثَمَنِ الرَّهْنِ مَرْدُودٌ كَتَزْوِيجِ الْأَمَةِ ، وَسَوَاءٌ رَضِيَ بِذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فِيمَا بَعْدُ أَوْ لَمْ يَرْضَ .

فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ أَرْضًا ، فَلِلرَّاهِنِ حَالَاتٌ ، حَالٌ يُرِيدُ إِجَارَتَهَا ، وَحَالٌ يُرِيدُ زِرَاعَتَهَا ، فَإِنْ أَرَادَ إِجَارَتَهَا كَانَ عَلَى مَا مَضَى فِي إِجَارَةِ الدَّارِ ، وَإِنْ أَرَادَ زِرَاعَتَهَا فَلَهُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ سُكْنَى الدَّارِ ، فَإِنَّ لِلسَّاكِنِ يَدًا عَلَى الدَّارِ فَجَازَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ الرَّاهِنُ إِلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، وَلَيْسَ لِلزَّارِعِ يَدٌ عَلَى الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا يَدُهُ عَلَى الزَّرْعِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا الرَّاهِنُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت