أَحَدُهَا: أَنَّ النِّتَاجَ فِي الْمَاشِيَةِ هُوَ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ وَالنَّمَاءُ الْمَطْلُوبُ غَالِبًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْإِمَاءِ . وَالثَّانِي: أَنَّ غَالِبَ الْوِلَادَةِ فِي الْإِمَاءِ مُخَوَّفٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْمَاشِيَةِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْوِلَادَةَ فِي الْإِمَاءِ فِي الْغَالِبِ نَقْصٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْمَاشِيَةِ . فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ لَا تَضَعُ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ ، فَهَلْ لَهُ الْإِنْزَاءُ عَلَيْهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْمَاشِيَةِ هَلْ تُبَاعُ إِذَا حَلَّ الْحَقُّ وَهِيَ حَوَامِلُ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى بَيْعِهَا عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ وَإِنْ حَمَلَتْ ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ إِنَّ الْحَمْلَ تَبَعٌ ، فَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يُنْزِيَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ . وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ إِذَا حَمَلَتْ حَتَّى تَضَعَ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ إِنَّ الْحَمْلَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ . فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْزِيَ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، وَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ حَقِّهِ . وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَوْ كَانَتِ الْمَاشِيَةُ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا في الرهن ، كَانَ وُجُوبُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ ذُكْرَانِهَا وَأُنْثَاهَا عَلَى قَوْلَيْنِ ، فَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: أَنَا أُنْزِي عَلَيْهَا وَأَبِيعُهَا عِنْدَ مَحَلِّ الْحَقِّ حَوَامِلَ ، كَانَ هَذَا وَعْدًا ، وَلَهُ أَلَّا يَفْعَلَ ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ .
فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا وَأَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَخْتِنَهُ ، فَإِنْ كَانَ حَقُّهُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا يَحِلُّ قَبْلَ بُرْئِهِ مِنَ الْخِتَانِ ، فَإِنَّ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ ، لِأَنَّ فِي بَيْعِهِ قَبْلَ بُرْئِهِ نَقْصًا فِي ثَمَنِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مُؤَجَّلًا يَحِلُّ بَعْدَ بُرْئِهِ مِنَ الْخِتَانِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ بِالْعَبْدِ ضَنًى مِنْ مَرَضٍ يُخْشَى عَلَيْهِ إِنْ خُتِنَ ، فَيُمْنَعَ مِنْهُ حَتَّى يَطِيبَ الزَّمَانُ فَيَزُولَ الْمَرَضُ ، فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْجُمَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا يُمْنَعُ ، لِأَنَّ الْحِجَامَةَ نَافِعَةٌ فِي الْغَالِبِ غَيْرُ مُخَوِّفَةٍ فِي الْعَادَةِ . فَأَمَّا الْفِصَادُ فَهُوَ أَخْوَفُ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: قَطْعُ الْعُرُوقِ مَسْقَمَةٌ ، وَالْحِجَامَةُ خَيْرٌ مِنْهُ . فَإِنْ لَمْ تَدْعُهُ إِلَى الْفِصَادِ حَاجَةٌ مُنِعَ مِنْهُ ، وَإِنْ دَعَتْهُ إِلَى الْفِصَادِ حَاجَةٌ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أَنَّهُ أَرْخَصَ لِأُبَيِّ بِنْ كَعْبٍ فِي الْفَصْدِ".