صَاحِبِهِ ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهِ ، لِأَنَّ حَرْفَ التَّمْلِيكِ هُوَ اللَّامُ ، فَلَوْ أَرَادَ الْمِلْكَ لَقَالَ: الرَّهْنُ لِصَاحِبِهِ ، وَلَفْظَةُ"مِنْ"مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الضَّمَانِ: لِأَنَّهُ يُقَالُ: هَذَا مِنْ ضَمَانِ فُلَانٍ ، فَلَمَّا قَالَ:"مِنْ صَاحِبِهِ"عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ: مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ ، وَالدَّلَالَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ الْخَبَرِ قَوْلُهُ"لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ"قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: غُنْمُهُ زِيَادَتُهُ وَنَمَاؤُهُ ، وَغُرْمُهُ عَطَبُهُ وَنَقْصُهُ . فَإِنْ قِيلَ: الْغُرْمُ فِي اللِّسَانِ هُوَ الْتِزَامُ الْبَدَلِ عَنِ الشَّيْءِ عَنْ تَلَفِهِ وَلَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الْغُرْمِ عَلَى مَنْ تَلِفَ الشَّيْءُ مِنْ مَالِهِ . قِيلَ: قَدْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْغُرْمِ عَلَى الْأَمْرَيْنِ مَعًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَصِيرُ غَارِمًا لِلْحَقِّ ، ثُمَّ مِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [ الْبَقَرَةِ: 282 ] فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّهْنَ بَدَلًا مِنَ الْكِتَابِ وَالْإِبْدَالِ فِي عَامِّ أَحْكَامِهَا وَفِي حُكْمِ مُبْدَلَاتِهَا ، كَالصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَةِ لَمَّا كَانَ بَدَلًا مِنَ الْعِتْقِ كَانَ فِي الْوُجُوبِ كَالْعِتْقِ ، وَكَالتَّيَمُّمِ فِي الطَّهَارَةِ لَمَّا كَانَ بَدَلًا مِنَ الْمَاءِ كَانَ فِي الْوُجُوبِ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ ، وَإِذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمَ الْمُبْدَلِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الشَّاهِدِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الرَّهْنِ حُكْمَ الْكِتَابِ فَلَمَّا كَانَ تَلَفُ الْكِتَابِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَقِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَلَفُ الرَّهْنِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَقِّ ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ كَالضَّمَانِ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَسْقُطُ بِتَلَفِ الضَّامِنِ وَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِتَلَفِ الرَّهْنِ . وَتَحْرِيرُهُ عِلَّةُ أَنَّهُ وَثِيقَةٌ فِي الْحَقِّ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ تَلَفُهُ مُسْقِطًا لِلْحَقِّ كَالضَّمَانِ ، وَلِأَنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ مَرْدُودٌ إِلَى صَحِيحِهِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَسُقُوطِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا كَانَ فَاسِدُهُ مَضْمُونًا كَانَ صَحِيحُهُ مَضْمُونًا ، وَالشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَاتُ لَمَّا كَانَ صَحِيحُهَا غَيْرَ مَضْمُونٍ كَانَ فَاسِدُهَا غَيْرَ مَضْمُونٍ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ الرَّهْنَ الْفَاسِدَ غَيْرُ مَضْمُونٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ الصَّحِيحُ غَيْرَ مَضْمُونٍ . وَتَحْرِيرُهُ عِلَّةُ أَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صَحِيحُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَاتِ ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ قَدْ يَبْطُلُ بِتَلَفِهِ كَمَا يَبْطُلُ بِفَسْخِهِ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ بُطْلَانَهُ بِالْفَسْخِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَقِّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بُطْلَانَهُ بِالتَّلَفِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَقِّ . وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ مَعْنًى يُبْطِلُ الرَّهْنَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسْقِطَ الْحَقَّ كَالْفَسْخِ ، وَلِأَنَّ الْأُصُولَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ بَعْضُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ كَانَ جَمِيعُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ كَالْوَدَائِعِ وَالشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ بَعْضُهُ مَضْمُونًا كَانَ جَمِيعُهُ مَضْمُونًا كَالْبُيُوعِ وَالْغُصُوبِ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْضُ الرَّهْنِ غَيْرَ مَضْمُونٍ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْحَقِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالْحَقِّ . وَقَدْ يَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: