وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَدْوَنَ تَبَعٌ لِلْأَعْلَى ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْبَائِعِ مِنَ الْأَعْلَى بِمُخَالَطَتِهِ الْأَدْوَنَ ، وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْأَدْوَنِ بِمُخَالَطَةِ الْأَعْلَى ، لِأَنَّ الْأَعْلَى مَتْبُوعٌ وَلَيْسَ بِتَبِيعٍ . وَأَمَّا الثَّوْبُ إِذَا صُبِغَ وَالسَّوِيقُ إِذَا أُلِتَّ فَمُخَالِفٌ لِلزَّيْتِ إِذَا اخْتَلَطَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثَّوْبَ أَصْلٌ وَدُخُولَ الصَّبْغِ عَلَيْهِ تَبَعٌ ، وَكَذَلِكَ السَّوِيقُ أَصْلٌ وَلَتُّهُ بِالزَّيْتِ تَبَعٌ ، فَلَمْ يَبْطُلِ اسْتِرْجَاعُ الْأَصْلِ بِحُدُوثِ التَّبَعِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الزَّيْتُ لِأَنَّهُ خَالَطَهُ مَا صَارَ تَبَعًا لَهُ . وَالثَّانِي: أَنَّ عَيْنَ الثَّوْبِ وَالسَّوِيقِ مَوْجُودَةٌ وَإِنْ صَارَ الصَّبْغُ مُجَاوِرًا لِلثَّوْبِ وَالزَّيْتُ مُجَاوِرًا لِلسَّوِيقِ ، فَجَازَ الرُّجُوعُ بِهِمَا لِبَقَاءِ عَيْنِهِمَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الزَّيْتُ الْمُخْتَلِطُ لِأَنَّ عَيْنَهُ مُسْتَهْلَكَةٌ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ قَدْ بَطَلَ حَقُّهُ فِي الِاسْتِرْجَاعِ كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ يَضْرِبُ مَعَهُمْ بِثَمَنِهِ وَيُبَاعُ الزَّيْتُ الْمُخْتَلِطُ فِي حُقُوقِ جَمِيعِهِمْ ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ عَلَى حَقِّهِ مِنَ اسْتِرْجَاعِ مَالِهِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُبَاعَ الزَّيْتُ الْمُخْتَلِطُ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ الْغُرَمَاءِ فَذَلِكَ لَهُ ، فَإِذَا كَانَ زَيْتُهُ صَاعًا يُسَاوِي دِرْهَمًا وَالْمُخْتَلِطُ بِهِ صَاعًا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ بِيعَ ذَلِكَ مُخْتَلِطًا وَدُفِعَ إِلَى الْبَائِعِ ثُلُثُ ثَمَنِهِ وَإِلَى الْغُرَمَاءِ ثُلُثَا ثَمَنِهِ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ كَيْلًا عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ فَيَأْخُذُ مِنَ الصَّاعَيْنِ الْمُخْتَلِطَيْنِ وَقِيمَتُهُمَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ثُلُثَيْ صَاعٍ قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ آخِذًا لِثُلُثَيْ صَاعٍ بَدَلًا مِنْ صَاعٍ وَذَلِكَ رِبًا حَرَامٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ جَائِزٌ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَلَيْسَ ذَلِكَ بَيْعُ صَاعٍ بِثُلُثَيْ صَاعٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَضْعُهُ فِي مَكِيلَةٍ وَنُقْصَانٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَإِنْ كَانَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: ـ وَبِهِ أَقُولُ ـ يَأْخُذُهَا وَيُعْطِي قِيمَةَ الطَّحْنِ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَالِهِ ( قَالَ ) وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ يَصْبُغُهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ يَأْخُذُهُ وَلِلْغُرَمَاءِ زِيَادَتُهُ ، فَإِنْ قَصَّرَهُ بِأُجْرَةِ دِرْهَمٍ فَزَادَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ كَانَ الْقَصَّارُ شَرِيكًا فِيهِ بِدِرْهَمٍ وَالْغُرَمَاءُ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ شُرَكَاءُ بِهَا وَبِيعَ لَهُمْ ، فَإِنْ كَانَتْ أُجْرَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَزَادَ دِرْهَمًا كَانَ شَرِيكًا فِي الثَّوْبِ بِدِرْهَمٍ وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِأَرْبَعَةٍ ، وَبِهَذَا أَقُولُ ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ الْقَصَّارَ غَرِيمٌ بِأُجْرَةِ الْقِصَارَةِ لِأَنَّهَا أَثَرٌ لَا عَيْنٌ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) قُلْتُ أَنَا هَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ ، وَإِنَّمَا الْبَيَاضُ فِي الثَّوْبِ عَنِ الْقِصَارَةِ كَالسَّمْنِ عَنِ الطَّعَامِ وَالَعَلَفِ وَكُبْرِ الْوَدِيِّ عَنِ السَّقْيِ ، وَهُوَ لَا يَجْعَلُ الزِّيَادَةَ لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ عَيْنَ مَالِهِ ، فَكَذَلِكَ زِيَادَةُ الْقِصَارَةِ لَيْسَتْ عَيْنَ مَالِهِ ، وَقَدْ قَالَ فِي الْأَجِيرِ يَبِيعُ فِي حَانُوتٍ أَوْ يَرْعَى غَنَمًا أَوْ يُرَوِّضُ دَوَابَّ فَالْأَجِيرُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، فَهَذِهِ الزِّيَادَاتُ"