فَعَلَى هَذَا هَلْ هُوَ دَلَالَةٌ عَلَى بُلُوغِ الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى بُلُوغِ الْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْبُلُوغُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى بُلُوغِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ دَلَالَةً عَلَى بُلُوغِ الْمُشْرِكِينَ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُشْرِكَ تُغَلَّظُ أَحْكَامُهُ بِبُلُوغِهِ كَوُجُوبِ قَتْلِهِ وَأَخْذِ جِزْيَتِهِ ، فَانْتَفَتْ عَنْهُ التُّهْمَةُ فِي مُعَالَجَةِ الْإِنْبَاتِ . وَالْمُسْلِمُ تُخَفَّفُ أَحْكَامُهُ بِبُلُوغِهِ فِي فَكِّ حَجْرِهِ وَثُبُوتِ وِلَايَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ فَصَارَ مُتَّهَمًا فِي مُعَالَجَةِ الْإِنْبَاتِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ إِلَى جَعْلِ الْإِنْبَاتِ بُلُوغًا فِي الْمُشْرِكِ لِأَنَّ سِنَّهُ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِخَبَرِهِ ، وَخَبَرُ الْمُشْرِكِ لَا يُقْبَلُ . وَلَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُسْلِمِ ، لِأَنَّ خَبَرَهُ فِي سِنِّهِ مَقْبُولٌ ، ثُمَّ لَا اعْتِبَارَ فِي الْإِنْبَاتِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَعْرًا قَوِيًّا ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ زَغَبًا فَلَا ، فَلَوْ أَنَّ غُلَامًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَبَتَ الشَّعْرُ عَلَى عَانَتِهِ فَشَهِدَ لَهُ عَدْلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَيَكُونُ بُلُوغُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، إِنْ قِيلَ: إِنَّ الْإِنْبَاتَ يَكُونُ بُلُوغًا حُكِمَ بِبُلُوغِهِ وَإِنْ كَانَ سِنُّهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْإِنْبَاتَ دَلَالَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ إِذَا عُلِمَ نُقْصَانُ سِنِّهِ ، وَهَذِهِ فَائِدَةُ الْقَوْلَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ: فَأَمَّا السِّنُّ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْبُلُوغُ بِحَالٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْبُلُوغُ بِالِاحْتِلَامِ وَغِلَظِ الصَّوْتِ وَانْشِقَاقِ الْغُضْرُوفِ ؛ لِأَنَّ الْبُلُوغَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْحَلْقِ وَتَبَايُنِ النَّاسِ كَاخْتِلَافِ أَعْمَارِهِمْ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَلَ مَعَ اخْتِلَافِهِ حَدًّا . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْبُلُوغَ يَكُونُ بِالسِّنِّ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَكُونُ بِهِ بَالِغًا مِنَ السِّنِّ ، وَفِيمَا نَذْكُرُهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ أَصْلِهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الْبُلُوغَ يَكُونُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ بُلُوغُ الْجَارِيَةِ بِسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَبُلُوغُ الْغُلَامِ بِثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ نَصَّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُوجِبَانِ اسْتِصْحَابَ الصِّغَرِ إِلَى الِاحْتِلَامِ وَتَعْلِيقِ التَّكْلِيفِ