فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 8432

فَصْلٌ: وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ [ الْمَائِدَةِ: ] . وَهَذَا لَيْسَ بِمَرِيضٍ وَلَا مُسَافِرٍ ، قَالَ: وَلِأَنَّهُ تَيَمُّمٌ لَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ كَالتَّيَمُّمِ بِالتُّرَابِ النَّجَسِ ، وَلِأَنَّهُ مُقِيمٌ سَلِيمٌ فَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّيَمُّمُ كَالْوَاجِدِ لِلْمَاءِ ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا تُؤَدَّى فَرْضًا ، فَلَمْ يَلْزَمْ فِعْلُهَا كَصَلَاةِ الْحَائِضِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [ الْمَائِدَةِ: ] وَهَذَا غَيْرُ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا ذَرٍّ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالرَّبَذَةِ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَكَانَتْ وَطَنًا ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ إِدْرَاكَ الْوَقْتِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ كَالْمُسَافِرِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَعْنًى لَوْ حَدَثَ فِي السَّفَرِ أَوْجَبَ التَّيَمُّمَ فَإِذَا حَدَثَ فِي الْحَضَرِ أَوْجَبَ التَّيَمُّمَ كَالْمَرَضِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ عَجْزٍ لَوْ حَصَلَ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ لَمْ يَسْقُطْ فِعْلُهَا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ فِعْلُهَا فِي الْحَضَرِ ، كَالْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ وَالثَّوْبِ ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ عَجَزَ عَنْ فِعْلِهَا بِالْمَاءِ فَجَازَ لَهُ فِعْلُهَا بِالتُّرَابِ ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدَيْنِ . فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَإِنَّمَا جُعِلَ السَّفَرُ شَرْطًا فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ لَا فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى التُّرَابِ النَّجَسِ فَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي التُّرَابِ النَّجَسِ أَنَّهُ لَمَّا يَلْزَمِ اسْتِعْمَالُهُ فِي السَّفَرِ لَهُ يَلْزَمُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحَضَرِ . وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْوَاجِدِ لِلْمَاءِ فَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ أَعْلَى الطَّهَارَتَيْنِ سَقَطَ عَنْهُ أَدْنَاهُمَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَادِمُ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْحَائِضِ فَهُوَ أَنَّ الْحَائِضَ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْهَا فَرْضٌ لَمْ يَلْزَمْهَا النَّفْلُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَادِمُ ، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ جَمِيعُ التَّكْلِيفِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ لَا يَرَى أَنَّ يَوْمَهُ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَصُومُ وَيَقْضِي وَلَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ مَضَى فِيهِ وَقَضَاهُ . فَصْلٌ: فَأَمَّا الْعَادِمُ لِلْمَاءِ وَالتُّرَابِ مَعًا صلاته فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَيُعِيدَ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ مُسَافِرًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا ، فَيَكُونُ فِعْلُهَا فِي الْحَالِ وَاجِبًا وَإِعَادَتُهَا وَاجِبَةً ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ ، وَالْإِمْلَاءِ: يُصَلِّي فِي الْحَالِ اسْتِحْبَابًا وَيُعِيدُهَا وَاجِبًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الطَّهَارَةِ فَيَتَطَهَّرَ وَيُصَلِّيَ ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ"فَاقْتَضَى أَنْ لَا يَجُوزَ افْتِتَاحُهَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ قَالَ: وَلِأَنَّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ أَصْلًا وَبَدَلًا يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الصَّلَاةِ كَالْحَائِضِ: قَالَ: وَلِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْفَرْضُ بِفِعْلِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْيَانُ بِهَا كَالْمُحْدِثِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ . وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [ الْإِسْرَاءِ: ] وَلَمْ يُفَرِّقْ ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالصَّلَاةِ عَدِمَ شَرْطًا مِنْ شَرَائِطِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ فِعْلُهَا كَالْعُرْيَانِ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت