فهرس الكتاب

الصفحة 2640 من 8432

فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْإِنْسَانُ مَمْنُوعٌ مِنْ وَضْعِ سَارِيَةٍ فِي الطَّرِيقِ وَبِنَاءِ دَكَّةٍ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُرْفَقًا وَالْعَمَلُ بِهِ جَارِيًا فَكَذَلِكَ الْجَنَاحُ . قِيلَ: السَّارِيَةُ وَالدَّكَّةُ مُضِرٌّ بِالنَّاسِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضَايُقِ الطَّرِيقِ عَلَيْهِمْ . وَلِأَنَّهُمْ رُبَّمَا ازْدَحَمُوا فَأَضَرَّ بِهِمْ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ ضَرِيرٌ لَا يُبْصِرُ فَتَأَذَّى ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْجَنَاحُ فِي الْهَوَاءِ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْجَنَاحُ مُضِرًّا بِالْمَارَّةِ وَالْمُجْتَازِينَ قُلِعَ وَلَمْ يُقَرَّ ، وَأَمَرَ الْإِمَامُ بِهَدْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَخْتَصِمِ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ خُوصِمَ فِيهِ إِلَى الْإِمَامِ قَلَعَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُخَاصَمْ تَرَكَهُ ، لِأَنَّ الْإِمَامَ حَاكِمٌ وَلَيْسَ بِخَصْمٍ ، وَالْحَاكِمُ لَا يَحْكُمُ إِلَّا لِطَالِبٍ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ خَطَأٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِمَامَ مَنْدُوبٌ لِإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ وَالنِّيَابَةِ عَنْ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَبْوَابِ الْمَصَالِحِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الرِّضَا بِهِ فِي التَّرْكِ ، وَكَذَا مَا لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى إِنْكَارِهِ فِي الْقَلْعِ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ فَلَا يَحْكُمُ إِلَّا لِخَصْمٍ ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ فِيهِ لَا يَتَعَيَّنُ ، فَإِنَّمَا كَافَّةُ النَّاسِ فِيهِ شَرْعٌ وَاحِدٌ . فَإِذَا وَجَبَ قَلْعُهُ فَبَذَلَ صَاحِبُهُ مَالًا صُلْحًا عَلَى تَرْكِهِ لَمْ يَجُزْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صُلْحٌ عَلَى إِقْرَارِ مُنْكَرٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ صُلْحٌ عَلَى الْهَوَى . فَأَمَّا حَدُّ مَا يَضُرُّ مِمَّا لَا يَضُرُّ فَمُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ وَمُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ حَرْبَوَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا: حَدُّ الضَّرَرِ أَنْ لَا يُمْكِنَ الْفَارِسَ أَنْ يَجْتَازَ تَحْتَهُ بِرُمْحٍ قَائِمٍ ، وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ شُرَيْحٍ . وَهَذَا التَّحْدِيدُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الرِّمَاحَ مُخْتَلِفَةٌ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ . وَلِأَنَّ هَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لَا يُخْرِجَ أَحَدٌ جَنَاحًا ، لِأَنَّ الرُّمْحَ قَدْ يَعْلُو عَلَى الْمَنَازِلِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ . وَلِأَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ عَلَى صَاحِبِ الرُّمْحِ فِي الِاجْتِيَازِ بِرُمْحِهِ مَائِلًا . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ بِحَسَبَ الْبِلَادِ ، فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ قَدْ تَجْتَازُ فِي طُرُقِهِ الْجِمَالُ الَّتِي عَلَيْهَا الْكَبَائِسُ وَالْعَمَّارِيَّاتُ وَذَلِكَ أَعْلَى مَا يُجْتَازُ فِي الطُّرُقَاتِ فَحَدُّ الْإِضْرَارِ أَنْ لَا يُمْكِنَ اجْتِيَازُ الْكَبَائِسِ وَالْعَمَّارِيَّاتِ تَحْتَهُ ، وَإِنْ أَمْكَنَ اجْتِيَازُهَا فَلَيْسَ بِمُضِرٍّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت