فهرس الكتاب

الصفحة 2682 من 8432

الْحَقَّ إِذَا لَزِمَهُ فَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ لَا نَقْلُهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا سُئِلَ نَقْلَ الْحَقِّ إِلَى عَيْنٍ يُعْطِيهَا بَدَلًا مِنَ الْحَقِّ لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَكَذَا لَوْ سُئِلَ نَقْلَهُ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى لَمْ يَلْزَمْهُ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْمُحْتَالُ ( من أركان الحوالة ) تعريفه وشرطه فَهُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى وَرِضَاهُ بِنَقْلِ الْحَقِّ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ ، وَلَيْسَ قَبُولُهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَقَالَ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ قَبُولُهَا إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ ، وَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدًا وَمَقَالًا فَكَانَ عَامًّا . وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ الَّتِي فِي الذِّمَمِ قَدْ تَنْتَقِلُ تَارَةً إِلَى ذِمَّةٍ بِالْحَوَالَةِ ، وَتَارَةً إِلَى عَيْنٍ بِالْمُعَاوَضَةِ ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ نَقْلَهُ إِلَى الْعَيْنِ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بِالتَّرَاضِي ، فَنَقْلُهُ إِلَى الذِّمَّةِ أَوْلَى أَلَّا يَلْزَمَ إِلَّا بِالتَّرَاضِي: لِأَنَّهُ بِنَقْلِهِ إِلَى عَيْنٍ أُخْرَى قَدْ وَصَلَ إِلَى حَقِّهِ ، وَبِنَقْلِهِ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى لَمْ يَصِلْ إِلَى حَقِّهِ ، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ قَدْ يَكُونُ تَارَةً سِلْمًا وَتَارَةً دَيْنًا فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْ قَبُولُ الْحَوَالَةِ فِي السِّلْمِ لَمْ يَلْزَمْ قَبُولُ الْحَوَالَةِ فِي الدَّيْنِ ، أَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ وَارِدٌ بَعْدَ حَظْرٍ وَهُوَ نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ .

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ ( من أركان الحوالة ) تعريفه وشرطه فَهُوَ مَنِ انْتَقَلَ الْحَقُّ بِالْحَوَالَةِ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّتِهِ ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ رِضَاهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ ، بَلْ تَتِمُّ بِرِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ سَوَاءٌ رَضِيَ بِذَلِكَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَرْضَ ، وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ: الْحَوَالَةُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِرِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا وَلَمْ يَرْضَ بِهَا لَمْ تَصِحَّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَنْ كَانَ وَجُودُهُ فِي الْحَوَالَةِ شَرْطًا كَانَ رِضَاهُ فِيهَا شَرْطًا كَالْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ . وَلِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ أَصْلًا وَبِالرَّهْنِ فَرْعًا ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يُوَلِّيَ الرَّهْنَ غَيْرَهُ فَأَوْلَى أَلَّا يَكُونَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ الذِّمَّةَ غَيْرَهُ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَسْهَلَ اقْتِضَاءً وَأَسْهَلَ مُعَامَلَةً وَأَسْمَحَ قَبْضًا ، فَلَا يَرْضَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِمُعَامَلَةِ غَيْرِهِ: لِأَنَّهُ بِخِلَافِ مُعَامَلَتِهِ ، فَلِذَلِكَ كَانَ بَقَاءُ الدَّيْنِ بِالْحَوَالَةِ مَوْقُوفًا عَلَى قَبُولِهِ ، وَدَلِيلُنَا أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَمْلُوكُ الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يَكُنْ رِضَاهُ مُعْتَبَرًا فِي نَقْلِ الْمِلْكِ كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ ، وَلِأَنَّ بِالْحَوَالَةِ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنِ الدَّيْنِ كَالْإِبْرَاءِ . فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ رِضَا الْمُبَرَّأِ مُعْتَبَرًا فِي صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ ، لَمْ يَكُنْ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرًا فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ ، وَلِأَنَّ مَالِكَ الدَّيْنِ مُخَيَّرٌ فِي اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ ، كَالْوَكِيلِ وَكَذَلِكَ بِالْمُحْتَالِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت