فهرس الكتاب

الصفحة 2825 من 8432

وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاعِزًا بِإِقْرَارِهِ ، وَرَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ بِإِقْرَارِهَا ، وَقَطَعَ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ بِإِقْرَارِهِ ، وَقَدْ حَكَمَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بِالْإِقْرَارِ فِي قَضَايَاهُمْ ، وَلَمْ يَزَلِ الْحُكَّامُ يَعْمَلُونَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُونَ بِهِ . وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْحُقُوقِ لَا يُوصَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْإِقْرَارِ فَكَانَتِ الضَّرُورَةُ دَاعِيَةً إِلَى الْأَخْذِ بِهِ ، وَالْحَاجَةُ مَاسَّةً إِلَى الْعَمَلِ عَلَيْهِ . وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ مَعَ احْتِمَالِهَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ مَعَ قِلَّةِ الِاحْتِمَالِ فِيهِ أَوْلَى ، وَكَذَلِكَ كَتَبَ الْحُكَّامُ فِي قَضَايَاهُمْ إِذَا كَانَتْ عَنْ شَهَادَةٍ: أَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ عَلَى حَقِّهِ ، وَلَمْ يَكْتُبُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ .

فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ ، فَحَقِيقَةُ الْإِقْرَارِ: الْإِخْبَارُ بِحَقٍّ عَلَيْهِ . وَحَقِيقَةُ الشَّهَادَةِ: الْإِخْبَارُ بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ . فَاجْتَمَعَا مِنْ حَيْثُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إِخْبَارٌ بِحَقٍّ وَافْتَرَقَا مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ ، وَالْحَقَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِهِ .

فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْإِقْرَارُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ: بِمُقِرٍّ ، وَمُقَرٍّ لَهُ ، وَمُقَرٍّ بِهِ ، وَمُقَرٍّ عِنْدَهُ . فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمُقِرُّ من شروط الإقرار: فَهُوَ الْمُخْبِرُ بِالْحَقِّ عَلَيْهِ ، وَالْمُقِرُّونَ ضَرْبَانِ: مُكَلَّفٌ ، وَغَيْرُ مُكَلَّفٍ . فَأَمَّا غَيْرُ الْمُكَلَّفِ ، وَهُوَ الصَّبِيُّ ، وَالْمَجْنُونُ هل يصح إقرارهما ؟ فَإِقْرَارُهُمَا بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ بِمَالٍ ، أَوْ بَدَنٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ ، وَالْإِفَاقَةِ . وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ إِقْرَارَ الْمُرَاهِقِ إِذَا كَانَ بِإِذْنِ أَهْلِهِ ، أَوْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي عَقْدٍ فَأَقَرَّ بِدَيْنٍ صَحَّ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِهِ وَجَوَازِ عَقْدِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ، وَاسْتِدْلَالًا بِأَنَّ مَنْ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ صَحَّ إِقْرَارُهُ كَالْبَالِغِ . وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ كَالْجُنُونِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ إِقْرَارٍ مَنَعَ مِنْهُ الْجُنُونُ مَنْعَ مِنْهُ الصِّغَرُ كَالْإِقْرَارِ بِالْبَدَنِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ جَوَازُ إِقْرَارِهِ أَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت