وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ نُصُبِ الزَّكَوَاتِ فَلَوْ جَازَ أَنْ يَتَقَدَّرَ فِي الذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ بِالنِّصَابِ مِنْهُمَا لَتَقَدَّرَ فِي الْمَوَاشِي بِالنُّصُبِ فِيهَا ، ثُمَّ الْمَالُ لَا يَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ ، وَالْوَرِقِ دُونَ غَيْرِهِمَا فَلَمْ يَجْعَلْهُ مُخْتَصًّا بِهِ ، أَوْ مُقَدَّرًا فِيهِمَا وَهَلَّا جَعَلَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَمُقَدَّرًا بِنِصَابٍ مِنْ كُلِّ مَالٍ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ مَالِكٍ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فَهُوَ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ التَّافِهَ مِمَّا لَا يُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِتَافِهٍ تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ كَالْغَاصِبِ ، وَالْجَانِي عَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ تَافِهًا فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ لَا أَنَّهُ تَافِهٌ فِي الْجِنْسِ ، وَالْقَدْرِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ أَقَلُّ الْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ أَنَّهُ يَسُوغُ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ فِيمَا قَدِ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ ، فَإِذَا حَصَلَ الْخِلَافُ فِي الْقَدْرِ كَانَ الْأَوْلَى رَدُّهُ إِلَى الْأَقَلِّ ، وَلَا يَسُوغُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ ، أَوْ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ؛ فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ اللَّيْثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عَدِّهَـا عَلَى أَنَّهُ عَدَدُ الْمَوَاطِنِ الْكَثِيرَةِ لَا الْمَالُ الْكَثِيرُ .
فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ إِقْرَارٌ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَسَوَاءٌ قَالَ: مَالٌ عَظِيمٌ ، أَوْ لَهُ مَالٌ جَزِيلٌ ، أَوْ ثَقِيلٌ ، أَوْ مُغْنٍ ، تفسير الإقرار أَوْ جَمَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ كَثِيرٌ عَظِيمٌ جَزِيلٌ ثَقِيلٌ مُغْنٍ فَكُلُّهُ سَوَاءٌ ، وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ فَمَا فَسَّرَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ قُبِلَ مِنْهُ ، وَلَوْ قِيرَاطًا مِنْ فِضَّةٍ ، أَوْ مُدَّ حِنْطَةٍ ، أَوْ بَاقَةً مِنْ بَقْلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، وَإِلَّا فَلَهُ إِحْلَافُهُ .
فَصْلٌ: فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لِزَيْدٍ عَلَيَّ تفسير الإقرار ثُمَّ بَيَّنَ دِرْهَمًا وَاحِدًا ، أَوْ أَقَلُّ قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ لِزَيْدٍ عَلَيَّ إِلَّا هَذَا الْقَدْرُ فَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّ لِزَيْدٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَكَانَ قَدْ بَيَّنَ إِقْرَارَهُ بِدِرْهَمٍ قُبِلَ مِنْهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لِأَنَّهُ قَدْ يَكْذِبُ الشُّهُودُ فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لِزَيْدٍ عَلَيَّ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِدِرْهَمٍ وَأَقَرَّ لِزَيْدٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ بِالْأَكْثَرِ فِي أَنَّهُ حَلَالٌ وَبِالْأَقَلِّ فِي أَنَّهُ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ كَثِيرٌ ، وَالْحَرَامَ قَلِيلٌ ، فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لِزَيْدٍ جِنْسًا ثُمَّ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ إِلَّا مِنَ الدَّنَانِيرِ وَالذَّهَبِ ، قَلِيلًا بَيَّنَ أَوْ كَثِيرًا ؛ لِاحْتِمَالِ قَوْلِهِ أَكْثَرَ فِي الْحَلَالِ دُونَ الْقَدْرِ وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَالِ زَيْدٍ . فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مَا لِزَيْدٍ عَدَدًا ثُمَّ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ وَسَوَاءٌ بَيَّنَ مِنَ الدَّنَانِيرِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا . فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لِزَيْدٍ عَدَدًا وَجِنْسًا ثُمَّ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا بِأَكْثَرِ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ وَلَوْ بِأَدْنَى زِيَادَةٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَزَالَ الِاحْتِمَالَ بِذِكْرِ الْجِنْسِ ، وَالْعَدَدِ . فَلَوِ ابْتَدَأَ الْمُدَّعِي فَقَالَ: لِي عَلَيْكَ مِائَةُ دِينَارٍ ، فَقَالَ لَكَ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْهَا ثُمَّ بَيَّنَ دِرْهَمًا